الغير، وسائر العقود حيلة على التوصُّل إلى ما لا يباح إلا بها، وشرع الرهن حيلة على رجوع صاحب الدين في ماله من عين الرهن إذا أفلس الراهن أو تعذَّر الاستيفاء منه.
وقد روى سلمة بن صالح عن يزيد الواسطي عن عبد الكريم عن عبد الله ابن بُريدة [عن أبيه] قال: سئل رسول الله ﷺ عن أعظم آية في كتاب الله، فقال: «لا أخرج من المسجد حتى أُخبرك»، فقام رسول الله ﷺ من مجلسه، فلما أخرج إحدى رجليه أخبره بالآية [٦٥/أ] قبل أن يُخرِج رِجلَه الأخرى١. وقد بنى الخصاف «كتابه في الحيل»٢ على هذا الحديث، ووجه الاستدلال به أن من حلف لا يفعل شيئًا فأراد التخلُّص من الحِنْث بفعل بعضه لم يكن حانثًا، فإذا حلف لا يأكل هذا الرغيف ولا يأخذ هذا المتاع فلْيدَعْ بعضه ويأخذ الباقي ولا يحنث، وهذا أصل في بابه في التخلُّص من الأيمان.
وهذا السلف الطيب قد فتحوا لنا هذا الباب، ونهجوا لنا هذا٣ الطريق، فروى قيس بن الربيع عن الأعمش عن إبراهيم في رجل أخذه رجل فقال: إن لي معك حقًّا، فقال: لا، فقال: احلِفْ لي بالمشي إلى بيت الله، فقال: يحلف له بالمشي إلى بيت الله، ويعني به مسجد حيِّه٤.
(١) رواه الدارقطني (١١٨٣) والبيهقي (١٠/ ٦٢) بهذا الطريق، وسلمة وعبد الكريم ضعيفان، وضعّف الحديث البيهقي والذهبي في «التنقيح» (١/ ١٤٥)، وأشار إلى ضعفه الدارقطني في «الغرائب» (٢/ ٣٢٩). والزيادة من المصادر.
(٢) انظر (ص ٢) منه.
(٣) ز: «فيها».
(٤) رواه الخصاف في «الحيل» (ص ٢) بهذا الإسناد، وقيس ضعيف.
وبهذا الإسناد أنه قال له رجل: إن فلانًا أمرني أن آتي مكانَ كذا وكذا، وأنا لا أقدر على ذلك المكان، فكيف الحيلة؟ قال: يقول: والله ما أُبصِر إلا ما سدَّدني غيري١.
وذكر عبد الملك بن مَيْسرة عن النزَّال بن سَبْرة قال: جعل حذيفة يحلف لعثمان بن عفان على أشياء بالله ما قالها، وقد سمعناه يقولها، فقلنا: يا أبا عبد الله، سمعناك تحلف لعثمان على أشياء ما قلتَها، وقد سمعناك قلتَها، فقال: إني أشتري ديني بعضَه ببعضٍ مخافةَ أن يذهب كلُّه٢.
وذكر قيس بن الربيع عن الأعمش عن إبراهيم أن رجلًا قال له: إني أنال من رجل شيئًا فيبلغه عني، فكيف أعتذر إليه؟ فقال له إبراهيم: قُل: والله إن الله ليعلم ما قلتُ من ذلك من شيء٣.
وكان إبراهيم يقول لأصحابه إذا خرجوا من عنده وهو مستخفٍ من الحجاج: إن سُئلتم عني فاحلفوا بالله لا تدرون أين أنا، ولا في أيّ موضع أنا، واعْنُوا لا تدرون أين أنا من البيت، وفي أي موضع منه، وأنتم صادقون٤.
وقال مجاهد عن ابن عباس: ما يسُرُّني بمعاريض الكلام حُمْرُ النَّعم٥.
(١) انظر التعليق السابق.
(٢) رواه ابن أبي شيبة (٣٣٧٢١) والطبري في «تهذيب الآثار ــ مسند علي» (ص ١٤٣) وأبو نعيم في «الحلية» (١/ ٢٧٩) من طرق عن الأعمش عن ابن ميسرة به، وسنده صحيح.
(٣) رواه الخصاف في «الحيل» (ص ٢)، وفيه قيس بن الربيع ضعيف.
(٤) المصدر السابق.
(٥) رواه الخصاف (ص ٣) من طريق الحسن بن عمارة، وهو ضعيف جدًّا. وأخرجه ابن أبي شيبة (٢٦٦٢١) والطبري في «تهذيب الآثار ــ مسند علي» (ص ١٤٥) من طريق منصور عن ابن عباس، وهو منقطع بينهما.