إعلام الموقعين

لمسببه لم يكن للنية الباطنة أثر في تغيير حكمه.

يوضحه أن النية لا تؤثّر في اقتضاء الأسباب الحسية والعقلية المستلزمة لمسبباتها، [و] لا تؤثّر النية في تغييرها.

يوضحه أن النية إما أن تكون بمنزلة الشرط أو لا تكون، فإن كانت بمنزلة الشرط لزم أنه إذا نوى أن لا يبيع ما اشتراه ولا يهبه ولا يتصرف فيه، أو نوى أن يُخرِجه عن ملكه، أو نوى أن لا يطلِّق الزوجة أو يبيت عندها كل ليلة أو لا يسافر عنها، بمنزلة أن يشترط ذلك في العقد، وهو خلاف الإجماع، وإن لم يكن بمنزلة الشرط فلا تأثير له حينئذٍ.

وأيضًا فنحن لنا ظواهر الأمور، وإلى الله سرائرها وبواطنها؛ ولهذا تقول الرسل لربهم تعالى يوم القيامة إذا سألهم: ﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ فيقولون: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١٠٩]، كان [٦٧/أ] لنا ظواهرهم، وأما ما انطوت عليه ضمائرهم وقلوبهم فأنت العالم به.

قالوا: فقد ظهر عذرنا، وقامت حجتنا، وتبيَّن أنا لم نخرج فيما أصَّلناه ــ من اعتبار الظاهر، وعدم الالتفات إلى القصود في العقود، وإلغاء الشروط المتقدمة الخالي عنها العقدُ، والتحيُّل على التخلُّص من مضايق الأيمان وما حرَّمه الله ورسوله من الربا وغيره ــ عن كتاب ربنا وسنة نبينا وأقوال السلف الطيب.

ولنا بهذه الأصول رهنٌ عند كل طائفة من الطوائف المنكرة علينا.

فلنا عند الشافعية رهونٌ كثيرة في عدة مواضع، وقد سلَّموا لنا أن الشرط المتقدم على العقد مُلغًى، وسلَّموا لنا أن القصود غير معتبرة في العقود، وسلَّموا لنا جواز التحيُّل على إسقاط الشفعة، وقالوا بجواز التحيُّل على بيع

104

المعدوم من الثمار فضلًا عما لم يبدُ١ صلاحه بأن يُؤْجِره الأرضَ ويُساقيه على الثمر من كل ألف جزء على جزء، وهذا نفس الحيلة على بيع الثمار قبل وجودها، فكيف ينكرون علينا التحيُّل على بيعها قبل بدوِّ صلاحها؟ وهل مسألة العينة إلا ملك باب الحيل؟ وهم يُبطلون الشركة بالعروض ثم يقولون: الحيلة في جوازها أن يبيع كلٌّ منهما نصفَ عَرضه لصاحبه، فيصيران شريكين حينئذٍ بالفعل، ويقولون: لا يصح تعليق الوكالة بالشرط، والحيلة على جوازها أن يوكِّله الآن ويعلِّق تصرُّفَه بالشرط. وقولهم في الحيل على عدم الحنث بالمسألة السُّريجية٢ معروف، وكل حيلة سواه محلّل بالنسبة إليه؛ فإن هذه المسألة حيلة على أن يحلف دائمًا بالطلاق ويحنَث ولا يقع عليه الطلاق أبدًا.

وأما المالكية فهم من أشدِّ الناس إنكارًا علينا للحيل، وأصولُهم تخالف أصولَنا في ذلك؛ إذ عندهم أن الشرط المتقدم كالمقارن، والشرط العرفي كاللفظي، والقصود في العقود معتبرة، والذرائع يجب سدُّها، والتغرير الفعلي كالتغرير القولي، وهذه الأصول تسدُّ باب الحيل سدًّا محكمًا. ولكن قد غلقنا٣ لهم برهونٍ نطالبهم بفِكاكها أو بموافقتهم لنا على ما أنكروه علينا، فجوَّزوا التحيُّلَ على إسقاط الشفعة، وقالوا: لو

  1. (١) في النسختين: «لم يبدو».
  2. (٢) سيأتي ذكر المؤلف لصورتها ومتى حدثت، في فصل مستقل.
  3. (٣) في النسختين: «علقنا». والمثبت هو الصواب، وبه يستقيم المعنى. يقال: غَلِقَ الرهنُ، لم يقدر راهِنُه على تخليصه من يد المرتهن في الموعد المشروط، فصار مِلكًا للمرتهن.
105

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي