إعلام الموقعين

قال: وإذا وازن اللبيب بين حيلة أصحاب السبت والحيل التي يتعاطاها١ أرباب الحيل في كثير من الأبواب، ظهر له التفاوت ومراتب المفسدة التي بينها وبين هذه الحيل، فإذا عرف قدر الشرع، وعظمة الشارع وحكمته، وما اشتمل عليه شرعه من رعاية مصالح العباد= تبيَّن له حقيقة الحال، وقطَع بأن الله سبحانه يتنزَّه ويتعالى أن يسوِّغ لعباده نقضَ شرعه وحكمته بأنواع الخداع والاحتيال.

فصل

قالوا: ونحن نذكر ما تمسكتم به في تقرير الحيل والعمل بها، ونبيِّن ما فيه، متحرِّين للعدل والإنصاف، منزِّهين [٧٠/ب] لشريعة الله وكتابه وسنة رسوله عن المكر والخداع والاحتيال المحرّم، ونبيِّن انقسام الحيل والطرق إلى ما هو كفر محض، وفسق ظاهر، ومكروه، وجائز، ومستحبّ، وواجب عقلًا أو شرعًا، ثم نذكر فصلًا نبيِّن فيه التعويض بالطرق الشرعية عن الحيل الباطلة، فنقول وبالله التوفيق والمستعان وعليه التُّكلان:

أما قوله تعالى لنبيه أيوب ﵇: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾، فقال شيخنا ﵁٢: الجواب أن هذا ليس مما نحن فيه؛ فإن للفقهاء في موجب هذه اليمين في شرعنا قولين٣، يعني إذا حلف ليضربنَّ عبدَه أو امرأته مائة ضربة:

  1. (١) د: «يتعاطاه».
  2. (٢) الترضي من د. والكلام الآتي كلُّه من «بيان الدليل» (ص ٣٠٨ وما بعدها).
  3. (٣) ز: «قولان».
119

أحدهما: قول من يقول: موجبها الضرب مجموعًا أو مفرَّقًا، ثم منهم من يشترط مع الجمع الوصول إلى المضروب؛ فعلى هذا تكون هذه١ الفتيا موجب هذا اللفظ عند الإطلاق، وليس هذا بحيلة، إنما الحيلة أن يصرف اللفظ عن موجبه عند الإطلاق.

والقول الثاني: أن موجبه الضرب المعروف٢، وإذا كان هذا موجبه في شرعنا لم يصح الاحتجاج علينا بما يخالف شرعًا من شرائع من قبلنا؛ لأنا إن قلنا: «ليس شرعًا لنا مطلقًا» فظاهر، وإن قلنا: «هو شرعٌ لنا» فهو مشروط بعدم مخالفته لشرعنا، وقد انتفى الشرط.

وأيضًا فمن تأمَّل الآية علم أن هذه الفتيا خاصّةُ الحكم؛ فإنها لو كانت عامةَ الحكم في حق كل أحدٍ لم يَخْفَ على نبي كريم موجبُ يمينه، ولم يكن في اقتصاصها علينا كبيرُ عبرةٍ؛ فإنما يُقصُّ ما خرج عن نظائره لنعتبر به ونستدلّ به على حكمة الله فيما قصَّه علينا، أما ما كان هو مقتضى العادة والقياس فلا يُقَصُّ، ويدل على الاختصاص قوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ [ص: ٤٤]. وهذه الجملة خرجت مخرج التعليل كما في نظائرها؛ فعُلِم أن الله ﷾ إنما أفتاه بهذا جزاءً له على صبره، وتخفيفًا عن امرأته، ورحمةً بها، لا أن هذا موجب هذه اليمين.

وأيضًا فإن الله سبحانه إنما أفتاه بهذه الفتيا لئلا يحنَثَ، كما أخبر سبحانه. وهذا يدلُّ على أن كفارة الأيمان لم تكن مشروعةً بتلك الشريعة، بل

  1. (١) «هذه» ليست في د.
  2. (٢) كذا في النسختين. وفي «بيان الدليل»: «المفرّق».
120

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي