وأفتى أيضًا هو١ وغيره من الصحابة ﵃ المريض المأيوس منه والشيخ الكبير الذي لا يستطيع الصوم بأن يفطرا ويطعما كل يوم مسكينًا٢، إقامةً للإطعام مقامَ الصيام.
وأفتى أيضًا هو٣ وغيره من الصحابة: الحامل والمرضع إذا خافتا على ولدَيْهما أن تفطرا وتُطعِما كل يوم مسكينًا٤، إقامةً للإطعام مقامَ الصيام، وهذا كثير جدًّا.
وغير مستنكر في واجبات الشريعة أن يخفّف الله سبحانه الشيء منها عند المشقة بفعل ما يشبهه من بعض الوجوه كما في الأبدال وغيرها، ولكن مثل قصة أيوب لا يُحتاج إليها في شرعنا؛ لأن رجلًا لو حلف ليضربنَّ أمته أو امرأته مائة ضربة أمكنه أن يكفّر عن يمينه من غير احتياج إلى حيلة وتخفيف الضرب بجمعه، ولو نذر ذلك فهو نذر معصية، فلا شيء عليه عند طائفة، وعند طائفة عليه كفارة يمين.
وأيضًا فإن المطلق من كلام الآدميين محمول على ما فسّر به المطلق من كلام الشارع خصوصًا في الأيمان؛ فإن الرجوع فيها إلى عرف الخطاب شرعًا أو عادةً أولى من الرجوع إلى موجب اللفظ في أصل اللغة، والله ﷾ قد قال: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾[النور: ٢]،
(١) رواه البخاري (٤٥٠٥) عن ابن عباس.
(٢) رواه عبد الرزاق (٧٥٧٠) وابن أبي شيبة (١٢٣٤٦) من طرق عن أنس.
(٣) رواه أبو داود (٢٣١٧، ٢٣١٨) والبيهقي (٤/ ٢٣٠) عن ابن عباس.
(٤) رواه عبد الرزاق (٧٥٥٨، ٧٥٥٩) والدارقطني (٢٣٨٨ - ٢٣٨٩) والبيهقي (٤/ ٢٣٠) عن ابن عمر.
وقال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾[النور: ٤]. وفهم الصحابة والتابعون ومن بعدهم من ذلك أنه ضربات متفرقة لا مجموعة، إلا أن يكون المضروب معذورًا عذرًا لا يُرجى زواله؛ فإنه يُضرب ضربًا مجموعًا، وإن كان يرجى زواله فهل يؤخَّر إلى الزوال أو يُقام عليه مجموعًا؟ فيه خلاف بين الفقهاء، فكيف يقال: إن الحالف ليضربنّ موجب يمينه [٧١/ب] هو الضرب المجموع مع صحة المضروب وقوته؟ فهذه الآية هي أقوى ما يعتمد عليه أرباب الحيل، وعليها بَنَوا حيلهم، وقد ظهر بحمد الله أنه لا متمسَّكَ لهم فيها البتةَ.
فصل
وأما إخباره سبحانه عن يوسف ﵇ أنه جعل صُواعه في رَحْل أخيه ليتوصَّل بذلك إلى أخذه وكيد إخوته، فنقول لأرباب الحيل أولًا: هل تجوِّزون أنتم مثل هذا حتى يكون حجةً لكم؟ وإلا فكيف تحتجُّون بما لا تجوِّزون فعلَه؟، فإن قلتم: فقد كان جائزًا في شريعته، قلنا: وما ينفعكم إذا لم يكن جائزًا في شرعنا؟
قال شيخنا١﵁: ومما قد يُظَنّ أنه من جنس الحيل التي بيَّنا تحريمها وليس من جنسها قصة يوسف، حين كاد الله له في أخذ أخيه كما قصَّ ذلك سبحانه في كتابه، فإن فيها ضروبًا من الحيل الحسنة:
أحدها: قوله لفتيانه: ﴿اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾[يوسف: ٦٢]، فإنه تسبَّب بذلك إلى رجوعهم،