إعلام الموقعين

وقال الفضل١ بن زياد: سألت أحمد عن الرجل يعارض في كلامه يسألني عن الشيء أكره أن أُخبره به، قال: إذا لم يكن يمينًا فلا بأس، في المعاريض مندوحةٌ عن الكذب.

وهذا عند الحاجة إلى الجواب، فأما الابتداء فالمنع فيه٢ ظاهر، كما دلّ عليه٣ حديث أم كلثوم أنه لم يرخّص فيما يقول الناس إنه كذِبٌ إلا في ثلاث٤، وكلها مما يحتاج إليه المتكلم. وبكلِّ حالٍ فغاية هذا القسم تجهيل السامع بأن يُوقِعه المتكلم في اعتقاد ما لم يُرِده بكلامه، وهذا التجهيل قد تكون مصلحته أرجح من مفسدته، وقد تكون مفسدته أرجح من مصلحته، وقد يتعارض الأمران، ولا ريب أن من كان علمه بالشيء يحمله على ما يكرهه الله ورسوله كان تجهيله به وكتمانه عنه أصلح له وللمتكلم، وكذلك إن كان في علمه مضرَّةٌ على القائل، أو تفوت عليه مصلحة هي أرجح من مصلحة البيان، فله أن يكتمه عن السامع؛ فإن أبى إلا استنطاقه فله أن يعرِّض له.

فالمقصود بالمعاريض فعلُ واجبٍ أو مستحبٍّ أو مباحٍ أباح الشارع السعي في حصوله، ونصبَ له سببًا يُفضِي إليه؛ فلا يقاس بهذا الحيل التي تتضمن سقوطَ ما أوجبه الشارع وتحليلَ ما حرَّمه، فأين أحد البابين من

  1. (١) في النسختين: «الفضيل»، خطأ، والتصويب من «بيان الدليل» (ص ٢٠٠) المصدر الذي نقل عنه المؤلف هذا المبحث. وانظر: «طبقات الحنابلة» (١/ ٢٥١).
  2. (٢) «فيه» ليست في ز.
  3. (٣) «عليه» ليست في ز.
  4. (٤) تقدم.
157

الآخر؟ وهل هذا إلا من أفسد القياس؟ وهو كقياس الربا على البيع والميتة على الذكي١.

فصل

فهذا الفرق من جهة المحتال عليه، وأما الفرق من جهة المحتال به فإن المعرِّض إنما تكلَّم بحق، ونطقَ بصدق فيما بينه وبين الله تعالى، لا سيما إن لم ينوِ باللفظ خلاف ظاهره في نفسه، وإنما كان الظهورُ٢ من ضَعْفِ فهم السامع وقصورِه في فهم دلالة اللفظ، ومعاريض النبي ﷺ ومُزاحه كانت من هذا النوع، كقوله: «نحنُ من ماءٍ»، وقوله: «حاملوكَ على ولدِ الناقة»، و«لا يدخل الجنةَ العُجُز»، و«زوجُك الذي في عينيه بياضٌ»٣، وأكثر معاريض السلف كانت من هذا. ومن هذا الباب التدليس في الإسناد، لكن هذا مكروه لتعلُّقه بالدين وكون البيان في العلم واجبًا، بخلاف ما قصد به دفع ظالم أو دفع ضرر عن المتكلم.

والمعاريض نوعان:

أحدهما: أن يستعمل اللفظ في حقيقته وما وُضِع له، فلا يخرج به عن ظاهره، ويقصد فردًا من أفراد حقيقته، فيتوهَّم السامع أنه قصد غيره: إما لقصور فهمه، وإما لظهور ذلك الفرد عنده أكثر من غيره، وإما لشاهد الحال عنده، وإما لكيفية المخبر وقتَ التكلُّم من ضحك أو غضب أو إشارة ونحو

  1. (١) كذا في النسختين. وفي المطبوع: «المذكى».
  2. (٢) كذا في النسختين و«بيان الدليل»، وفي المطبوع: «عدم الظهور»، وهو يقلب المعنى.
  3. (٣) تقدم تخريج هذه الأحاديث قريبًا.
158

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي