الآخر؟ وهل هذا إلا من أفسد القياس؟ وهو كقياس الربا على البيع والميتة على الذكي١.
فصل
فهذا الفرق من جهة المحتال عليه، وأما الفرق من جهة المحتال به فإن المعرِّض إنما تكلَّم بحق، ونطقَ بصدق فيما بينه وبين الله تعالى، لا سيما إن لم ينوِ باللفظ خلاف ظاهره في نفسه، وإنما كان الظهورُ٢ من ضَعْفِ فهم السامع وقصورِه في فهم دلالة اللفظ، ومعاريض النبي ﷺ ومُزاحه كانت من هذا النوع، كقوله: «نحنُ من ماءٍ»، وقوله: «حاملوكَ على ولدِ الناقة»، و«لا يدخل الجنةَ العُجُز»، و«زوجُك الذي في عينيه بياضٌ»٣، وأكثر معاريض السلف كانت من هذا. ومن هذا الباب التدليس في الإسناد، لكن هذا مكروه لتعلُّقه بالدين وكون البيان في العلم واجبًا، بخلاف ما قصد به دفع ظالم أو دفع ضرر عن المتكلم.
والمعاريض نوعان:
أحدهما: أن يستعمل اللفظ في حقيقته وما وُضِع له، فلا يخرج به عن ظاهره، ويقصد فردًا من أفراد حقيقته، فيتوهَّم السامع أنه قصد غيره: إما لقصور فهمه، وإما لظهور ذلك الفرد عنده أكثر من غيره، وإما لشاهد الحال عنده، وإما لكيفية المخبر وقتَ التكلُّم من ضحك أو غضب أو إشارة ونحو
(١) كذا في النسختين. وفي المطبوع: «المذكى».
(٢) كذا في النسختين و«بيان الدليل»، وفي المطبوع: «عدم الظهور»، وهو يقلب المعنى.
(٣) تقدم تخريج هذه الأحاديث قريبًا.
ذلك، وإذا تأملتَ المعاريض النبوية والسلفية وجدت عامتها من هذا النوع.
والثاني: أن يستعمل العام في الخاص والمطلق في المقيّد، وهو الذي يسمِّيه المتأخرون الحقيقة والمجاز، وليس يفهم أكثر من المطلق والمقيد؛ فإن لفظ الأسد والبحر والشمس عند الإطلاق له معنى، وعند التقييد له معنى يسمُّونه المجاز، ولم يفرِّقوا بين مقيّد ومقيّد ولا بين قيد وقيد. فإن قالوا: [٨٠/أ] «كل مقيَّدٍ مجاز» لزمهم أن يكون كل كلام مركب مجازًا؛ فإن التركيب يقيده بقيود زائدة على اللفظ المطلق. وإن قالوا: «بعض القيود يجعله مجازًا دون بعض» سُئلوا عن الضابط ما هو، ولن يجدوا إليه سبيلًا.
وإن قالوا: «يعتبر اللفظ المفرد من حيث هو مفرد قبل التركيب، وهناك يُحكم عليه بالحقيقة والمجاز».
قيل لهم: هذا أبعد وأشدُّ فسادًا؛ فإن اللفظ قبل العقد والتركيب بمنزلة الأصوات التي يَنْعِق بها ولا تفيد شيئًا، وإنما إفادتها بعد تركيبها، وأنتم قلتم: الحقيقة هي اللفظ المستعمل، وأكثركم يقول: استعمال اللفظ فيما وُضِع له أولًا، والمجاز بالعكس؛ فلا بدّ في الحقيقة والمجاز من استعمال اللفظ فيما وضع له١، وهو إنما يُستعمل بعد تركيبه، وحينئذٍ فتركيبه بعده بقيود يُفهم منها مراد المتكلم، فما الذي جعله مع بعض تلك القيود حقيقةً ومع بعضها مجازًا؟
وليس الغرض٢ إبطال هذا التقسيم الحادث المبتدع المتناقض، فإنه
(١) «فيما وضع له» ليست في ز.
(٢) بعدها في ز: «ههنا»، وعليها خط يدلُّ على شطبها.