في المشهور من مذهبه. والقول الراجح أن ذلك لا يحرم كما هو قول الشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد ومالك؛ فإن التحريم بذلك موقوف على الدليل، ولا دليلَ من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح، وقياسُ السِّفاح على النكاح في ذلك لا يصح لما بينهما من الفروق. والله سبحانه جعل الصِّهر قسيم النسب، وجعل ذلك من نعمه التي امتنَّ بها على عباده، فكلاهما من نعمه وإحسانه؛ فلا يكون الصهر من آثار الحرام وموجباته كما لا يكون النسب من آثاره، بل إذا كان النسب الذي هو أصل لا يحصل بوطء [٨٢/أ] الحرام فالصهر الذي هو فرع عليه ومُشبَّه به أولى أن لا يحصل بوطء الحرام.
وأيضًا فإنه لو ثبت تحريم المصاهرة لا تثبت المَحْرَمية التي هي من أحكامه، فإذا لم تثبت المَحْرَمية لم تثبت الحرمة.
وأيضًا فإن الله سبحانه إنما قال: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾[النساء: ٢٣]، ومن زنى بها الابن لا تسمَّى حليلةً لغةً ولا شرعًا ولا عرفًا. وكذلك قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾[النساء: ٢٢] إنما المراد به النكاح الذي هو ضد السِّفاح، ولم يأتِ في القرآن النكاح المراد به الزنا قطُّ، ولا الوطء المجرد عن عقد.
وقد تناظر الشافعي هو وبعض العراقيين في هذه المسألة، ونحن نذكر مناظرته بلفظها.
قال الشافعي١: الزنا لا يحرِّم الحلال، وقال به ابن عباس٢.
(١) انظر: «الأم» (٨/ ٧٠، ٦/ ٣٩٨ وما بعدها) بنحوه.
(٢) رواه عبد الرزاق (١٢٧٦٩) وسعيد بن منصور (١/ ٤٤٠) وابن أبي شيبة (١٦٦٠٦) والبيهقي (٧/ ٢٧٣) من طرق عن ابن عباس.
قال الشافعي: لأن الحرام ضد الحلال، ولا يقاس شيء على ضده. فقال لي قائل: نقول لو قبَّلَتْ امرأةُ الرجلِ ابنَه لشهوة حرمت على زوجها أبدًا، فقلتُ: لِمَ قلتَ ذا والله ﷿ إنما حرَّم أمهاتِ نسائكم ونحو هذا بالنكاح، فلم يجز أن يقاس الحرام بالحلال؟ فقال: أجد جماعًا وجماعًا. قلت: جماعًا حُمِدتْ به وحُصِّنت وجماعًا رُجِمتْ به، أحدهما نقمة والآخر نعمة، وجعله الله سبحانه نسبًا وصِهْرًا وأوجب به حقوقًا، وجعلك مَحْرَمًا لامرأتك وابنتها تسافر بهما، وجعل على الزنا نقمة في الدنيا بالحد وفي الآخرة بالنار، إلا أن يعفو الله، فتقيس الحرام الذي هو نقمة على الحلال الذي هو نعمة؟ وقلت له١: فلو قال لك وجدتُ المطلقة ثلاثًا تَحِلُّ بجماع زوج وإصابةٍ٢، فأُحِلُّها بالزنا لأنه جماع كجماع، قال: إذًا أُخطِئ؛ لأن الله تعالى أحلها بنكاح زوج وإصابةٍ٣. قلت: وكذلك ما حرَّم الله في كتابه بنكاح زوج وإصابة زوج. قال: أفيكون شيء يحرِّمه الحلال ولا يحرِّمه الحرام أقول به؟ قلت: نعم، ينكح أربعًا فيحرم عليه أن ينكح من النساء خامسة، أفيحرم عليه إذا زنى بأربعٍ شيءٌ من النساء؟ قال: لا يمنعه الحرام مما يمنعه الحلال، قال: فقد ترتدُّ فتحرم على زوجها، قلت: نعم، وعلى جميع الخلق، وأقتلُها وأجعل مالها فيئًا، قال: فقد نجد الحرام يحرم الحلال، قلت: أما في مثل ما اختلفنا فيه من أمر النساء فلا. انتهى.