يزيد ذلك الفرض إلا تأكيدًا وذلك الحق إلا إثباتًا١.
وكذلك قالوا: إذا علم أن شاهدين يشهدان عليه فأراد أن يبطل شهادتهما، فليخاصمهما قبل الرفع إلى الحاكم. وهذه الحيلة حسنة إذا كانا يشهدان عليه بالباطل، فإذا علم أنهما يشهدان بحق لم تحلَّ له مخاصمتهما، ولا تُسقط هذه المخاصمة شهادتَهما.
وكذلك قالوا: لا يجوز ضمان البساتين، والحيلة على ذلك أن يُؤجِره الأرضَ ويساقيه على الثمر من كل ألف جزء على جزء. وهذه [٨٤/أ] الحيلة لا تتمُّ إذا كان البستان وقفًا وهو ناظره أو كان ليتيم، فإن هذه المحاباة في المساقاة تقدح في نظره ووصيته. وإن قيل: إنها تُغتفر لأجل العقد الآخر وما فيه من محاباة٢ المستأجر له، فهذا لا يجوِّز له أن يحابي في المساقاة، لما حصل للوقف واليتيم من محاباة أخرى. وهو نظير أن يبيع له سلعة بربح ثم يشتري له سلعة بخسارة توازن ذلك الربح، هذا إذا لم يُبْنَ٣ أحد العقدين على الآخر، فإن بُني عليه كانا عقدين في عقد، وكانا بمنزلة سَلَفٍ وبيع، وشرطين في بيع، وإن شرط أحد العقدين في الآخر فسدَا، مع أن هذه الحيلة لا تتم إلا٤ على أصل من لم ير جواز المساقاة أو من خصَّها بالتحيل وحده.
ثم فيها مفسدة أخرى، وهي أن المساقاة عقد جائز، فمتى أراد أحدهما
(١) ز: «ثباتًا».
(٢) في النسختين: «المحاباة». والمثبت يقتضيه السياق.
(٣) في النسختين: «لم يبنى».
(٤) «إلّا» ليست في د.
فسْخَها فسَخَها وتضرر الآخر، ومفسدة ثانية وهو أنه يجب عليه تسليم هذا الجزء من ألف جزء من جميع ثمرة البستان من كل نوع من أنواعه، وقد يتعذّر عليه ذلك أو يتعسّر، إما بأن يأكل الثمرة أو يُهديها كلَّها أو يبيعها على أصولها، فلا يمكنه تسليم ذلك الجزء، وهكذا يقع سواء. ثم قد يكون ذلك الجزء من الألف١ يسيرًا جدًّا، فلا يطالب به عادة، فيبقى في ذمته لليتيم ولجهة الوقف. إلى غير ذلك من المفاسد التي في هذه الحيلة.
وأصحاب رسول الله ﷺ كانوا أفقهَ من ذلك، وأعمق علمًا، وأقلَّ تكلفًا، وأبرَّ قلوبًا، فكانوا يرون ضمان الحدائق بدون هذه الحيلة، كما فعله عمر بن الخطاب ﵁ بحديقة أُسَيد بن حُضَير٢، ووافقه عليه جميع الصحابة، فلم ينكره منهم رجل واحد. وضمان البساتين كما هو إجماع الصحابة فهو مقتضى القياس الصحيح، كما تضمن الأرض لمُغَلّ الزرع فكذلك تضمن الشجر لمُغَلّ الثمر، ولا فرقَ بينهما البتةَ؛ إذ الأصل هنا كالأرض هناك، والمُغَلّ يحصل بخدمة المستأجر والقيام على الشجر كما يحصل بخدمته والقيام على الأرض. ولو استأجر أرضًا ليحرُثَها ويسقيها ويستغلَّ ما يُنبته الله سبحانه فيها من غير بذر منه كان بمنزلة استئجار الشجر من كل وجه، لا فرقَ بينهما البتةَ، فهذا أفقه من هذه الحيلة، وأبعد عن الفساد، وأصلح للناس، وأوفق للقياس، وهو اختيار أبي الوفاء ابن عقيل وشيخ الإسلام ابن تيمية٣﵄، وهو الصواب.