القول، فهو بمنزلة قوله: إذا وقع١ عليك طلاقي لم يقع، وإذا طلَّقتك لم يقع عليك طلاقي، ونحو هذا من الكلام الباطل، بل قوله: «إذا وقع عليك طلاقي فأنتِ طالق قبله ثلاثًا» أدخَلُ في الإحالة والتناقض؛ فإنه في الكلام الأول جعل وقوع الطلاق مانعًا من وقوعه مع قيام الطلاق، وهنا جعل وقوعه مانعًا من وقوعه مع زيادة محالٍ عقلًا وعادةً، فالمتكلم به يتكلم بالمحال قاصدًا٢ للمحال، فوجود هذا التعليق وعدمه سواء، فإذا طلَّقها بعد ذلك نفذ طلاقه ولم يمنع منه مانع. وهذا اختيار أبي الوفاء٣ ابن عقيل وغيره من أصحاب أحمد وأبي العباس ابن القاصّ من أصحاب الشافعي.
وقالت فرقة أخرى: بل المحال إنما جاء من تعليق الثلاث على المنجَّز، وهذا محال أن يقع المنجَّز ويقع جميع ما عُلِّق به؛ فالصواب أن يقع المنجَّز وتمام الثلاث من المعلّق، وهذا اختيار القاضي وأبي بكر وبعض الشافعية ومذهب أبي حنيفة. والذين منعوا وقوع الطلاق جملةً قالوا: هو ظاهر كلام الشافعي، فهذا تلخيص الأقوال في هذا التعليق.
قال المصححون للتعليق: صدر من هذا الزوج طلاقان منجَّز ومعلَّق، والمحلُّ قابل، وهو ممن يملك التنجيز والتعليق٤، والجمع بينهما ممتنع، ولا مزيةَ لأحدهما على الآخر، فتمانعا وتساقطا، وبقيت الزوجية بحالها، وصار كما لو تزوج أختين في عقد واحد فإنه يبطل نكاحهما لهذا الدليل بعينه.
(١) «إذا وقع» ساقطة من ك.
(٢) ز: «قاصد».
(٣) «أبي الوفاء» ساقطة من ك.
(٤) «والتعليق» ساقطة من ك.
وكذلك إذا أعتق أمته في مرض موته، وزوجُها عبد، ولم يدخل بها، وقيمتها مائة، ومهرها مائة، وباقي التركة مائة= لم يثبت لها الخيار؛ لأن إثبات الخيار يقتضي سقوط المهر، وسقوط المهر يقتضي نفي الخيار، والجمع بينهما لا يمكن، وليس أحدهما أولى من الآخر، لأن طريق ثبوتهما الشرع، فأبقينا النكاح ورفضنا الخيار ولم يسقط المهر، وكل ما أفضى١ وقوعه إلى عدم وقوعه فهذه سبيله.
ومثاله في الحس إذا تشاحَّ اثنان في دخول دار، وهما سواء في القوة، وليس لأحدهما على الآخر مزيةٌ توجب تقديمه؛ فإنهما يتمانعان فلا يدخل واحد منهما. وهذا مشتقٌّ من دليل التمانع على التوحيد، وهو أنه يستحيل أن يكون للعالم فاعلان مستقلان بالفعل؛ فإن استقلال كل منهما ينفي استقلال الآخر، فاستقلالهما يمنع استقلالهما، ووِزانُه في هذه المسألة أن [٨٥/أ] وقوعهما يمنع وقوعهما.
قالوا: وغاية ما في الباب استلزام٢ هذا التعليق لدور حكمي يمنع وقوع المعلَّق والمنجَّز، ونحن نريكم من مسائل٣ الدور التي يُفضي وقوعها إلى عدم وقوعها كثيرًا: منها٤ ما ذكرناه.
ومنها: ما لو وُجِد من أحدهما ريحٌ، وشكَّ كل واحد منهما هل هي منه أو من صاحبه= لم يجز اقتداء أحدهما بالآخر؛ لأن اقتداءه به يُبطل اقتداءه.