وأمارات وعلامات، والعلامة يجوز تأخُّرها»؛ فإن هذا وهم وإيهام من وجهين:
أحدهما: أن الفقهاء [٨٧/ب] مجمعون على أن الشرائط الشرعية لا يجوز تأخُّرها عن المشروط، ولو تأخَّرت لم تكن شروطًا١.
الثاني: أن هذا شرط لغوي، كقوله: «إن كلَّمتُ زيدًا فأنتِ طالق» ونحو ذلك٢، و«إن خرجتِ بغير إذني فأنتِ طالق» ونحو ذلك، والشروط اللغوية أسباب وعلل مقتضية لأحكامها اقتضاءَ المسبَّبات لأسبابها. ألا ترى أن قوله: «إن دخلتِ الدار فأنتِ طالق» سبب ومسبَّب ومؤثِّر وأثر، ولهذا يقع جوابًا عن العلة، فإذا قال: «لِمَ طلقها؟٣» قال: لوجود الشرط الذي علَّقتُ عليه الطلاق، فلولا أن وجوده مؤثّر في الإيقاع لما صح هذا الجواب. ولهذا يصح أن يخرجه بصيغة القسم فيقول: «الطلاق يلزمني لا تدخلين الدار»؛ فيجعل إلزامه للطلاق في المستقبل مسببًا عن دخولها الدارَ بالقسم والشرط.
وقد غلِطَ في هذا طائفة من الناس حيث قسموا الشرطَ إلى شرعي ولغوي٤ وعقلي، ثم حكموا عليه بحكم شامل فقالوا: الشرط يجب تقديمه على المشروط، ولا يلزم من وجوده وجود المشروط، ويلزم من انتفائه انتفاء المشروط، كالطهارة للصلاة والحياة للعلم. ثم أوردوا على
(١) ك: «لم يكن شرطًا».
(٢) «ونحو ذلك» ليست في ز.
(٣) د: «لم أطلقها».
(٤) ك: «لغوي وشرعي».
نفوسهم الشرط اللغوي؛ فإنه يلزم من وجوده وجود المشروط، ولا يلزم من انتفائه انتفاؤه؛ لجواز وقوعه بسبب آخر، ولم يُجيبوا١ عن هذا الإيراد بطائل.
والتحقيق أن الشروط اللغوية أسباب عقلية، والسبب إذا تمَّ لزم من وجوده وجود مسبَّبِه، وإذا انتفى لم يلزم نفي السبب٢ مطلقًا؛ لجواز خلف٣ سببٍ آخر، بل يلزم انتفاء السبب المعيَّن عن هذا المسبَّب٤.
وأما قولكم: «إنه صدر من هذا الزوج طلاقانِ منجَّز ومعلَّق، والمحلُّ قابل لهما»، فجوابه بالمنع، فإن المحلّ ليس بقابل للمعلَّق؛ فإنه يتضمن المحال، والمحلّ لا يقبل المُحال، نعم هو قابل للمنجَّز وحده، فلا مانع من وقوعه. وكيف تصح دعواكم أن المحلَّ قابل للمعلَّق، ومُنازعكم إنما نازعكم فيه، وقال: ليس المحلُّ بقابلٍ للمعلَّق؟ فجعلتم نفس الدعوى مقدمةً في الدليل.
وقولكم: «إن الزوج ممن يملك التنجيز والتعليق»، جوابه أنه إنما ملكَ٥ التعليق الممكن، فأما التعليق المستحيل فلم يملكه شرعًا ولا عرفًا ولا عادةً.
(١) ك: «ولم يخرجوا».
(٢) كذا في النسختين، والمعنى: إذا انتفى وجودُ المسبَّب لم يلزم نفي السَّبب مطلقًا. وفي المطبوع: «المسبب».