العشرة بينهما لم يبقَ له طريق إلى الاستبدال بها، وعليه ضرر في إعتاقها أو تزويجها١ أو إمساكها، ولا بدَّ له من أحدها.
ثم نقول في معارضة ما ذكرتم: قد يكون في هذه اليمين مصلحة له وغرض صحيح، بأن يكون محبًّا لزوجته شديد الإلف لها، وهو مشفق من أن ينزغ الشيطان بينهما فيقع منه طلاقها من غضبة أو موجدة، أو يحلف يمينًا بالطلاق أو يُبلى بمن يستحلفه بالطلاق ويُضطرّ٢ إلى الحنث، أو يُبلى بظالم يُكرهه على الطلاق ويرفعه إلى حاكم ينفذه، أو يُبلى بشاهدَيْ زور يشهدان عليه بالطلاق، وفي ذلك ضرر عظيم٣ به، وكان من محاسن الشريعة أن يُجعل له طريقٌ إلى الأمن من ذلك كله، ولا طريقَ أحسن من هذه؛ فما يُنكر من محاسن هذه الشريعة الكاملة أن تأتي بمثل ذلك، ونحن لا ننكر أن في ذلك نوع ضرر عليه، لكن رأى احتماله لدفع ضرر الفراق الذي هو أعظم من ضرر البقاء، وما يُنكَر في الشريعة من دفع أعلى الضررين باحتمال أدناهما؟
فصل
قال الموقعون: لقد دعوتم الشُّبَه الجَفَلَى٤ إلى وليمة هذه المسألة، فلم تَدَعوا منها داعيًا ولا مجيبًا، واجتهدتم في تقريرها ظانّين إصابة
(١) ك: «تزوجها».
(٢) ك: «واضطر».
(٣) «عظيم» ليست في ز، ك.
(٤) الجفلى: الدعوة العامة للناس دون تخصيص أحد، شَبَّه بها مجموعة الشبهات دون تمييز.
الاجتهاد، وليس كل مجتهد مصيبًا، ونثرتم عليها ما لا يصلح مثله للنِّثار١، وزيَّنتموها بأنواع الحُلِيّ، ولكنه حلي مستعار؛ فإذا استُرِدَّت العارة٢ زال الالتباس والاشتباه، وهناك تَسمع بالمُعَيدي خيرٌ من أن تراه٣.
فأما قولكم: «إنا ارتقينا مُرتقًى صعبًا، وأسأنا الظنَّ بمن قال بهذه٤ المسألة»، فإن أردتم بإساءة الظن بهم تأثيمًا أو تبديعًا فمعاذَ الله، بل أنتم أسأتم بنا٥ الظن. وإن أردتم بإساءة الظن أنا لم نصوِّبهم في هذه المسألة، ورأينا الصواب [٩١/أ] في خلافهم فيها؛ فهذا قدر مشترك بيننا وبينكم في كل ما تنازعنا فيه، بل سائر المتنازعين بهذه المثابة، وقد صرح الأئمة الأربعة بأن الحق في واحد من الأقوال المختلفة، وليست كلها صوابًا.
وأما قولكم: «إن هذه المسألة مأخوذة من نص الشافعي»، فجوابه من وجهين:
أحدهما: أنها لو كانت منصوصة له فقوله بمنزلة قول غيره من الأئمة يُحتَجُّ له ولا يُحتجُّ به، وقد نازعه الجمهور فيها، والحجة تَفصِل بين المتنازعين.
الثاني: أن الشافعي ﵁ لم ينصَّ عليها ولا على ما يستلزمها. وغاية ما ذكرتم نصه على صحة قوله: «أنتِ طالق قبل موتي بشهر»، فإذا مات