الاجتهاد، وليس كل مجتهد مصيبًا، ونثرتم عليها ما لا يصلح مثله للنِّثار١، وزيَّنتموها بأنواع الحُلِيّ، ولكنه حلي مستعار؛ فإذا استُرِدَّت العارة٢ زال الالتباس والاشتباه، وهناك تَسمع بالمُعَيدي خيرٌ من أن تراه٣.
فأما قولكم: «إنا ارتقينا مُرتقًى صعبًا، وأسأنا الظنَّ بمن قال بهذه٤ المسألة»، فإن أردتم بإساءة الظن بهم تأثيمًا أو تبديعًا فمعاذَ الله، بل أنتم أسأتم بنا٥ الظن. وإن أردتم بإساءة الظن أنا لم نصوِّبهم في هذه المسألة، ورأينا الصواب [٩١/أ] في خلافهم فيها؛ فهذا قدر مشترك بيننا وبينكم في كل ما تنازعنا فيه، بل سائر المتنازعين بهذه المثابة، وقد صرح الأئمة الأربعة بأن الحق في واحد من الأقوال المختلفة، وليست كلها صوابًا.
وأما قولكم: «إن هذه المسألة مأخوذة من نص الشافعي»، فجوابه من وجهين:
أحدهما: أنها لو كانت منصوصة له فقوله بمنزلة قول غيره من الأئمة يُحتَجُّ له ولا يُحتجُّ به، وقد نازعه الجمهور فيها، والحجة تَفصِل بين المتنازعين.
الثاني: أن الشافعي ﵁ لم ينصَّ عليها ولا على ما يستلزمها. وغاية ما ذكرتم نصه على صحة قوله: «أنتِ طالق قبل موتي بشهر»، فإذا مات
(١) ما يُنثَر في حفلات السرور من حلوى أو نقود.
(٢) أي العارية.
(٣) يضرب مثلًا للذي رؤيته دون السماع به.
(٤) ك: «هذه».
(٥) «بنا» ليست في ك.
لأكثر من شهر من وقت هذا التعليق تبينَّا وقوع الطلاق.
وهذا قد١ وافقه عليه من يُبطِل هذه المسألة، وليس فيه٢ ما يدل على صحة هذه المسألة ولا هو نظيرها، وليس فيه سبق الطلاق لشرطه، ولا هو متضمن للمحال؛ إذ٣ حقيقته إذا بقي من حياتي شهر فأنت طالق. وهذا الكلام معقول غير متناقض ليس فيه تقديم الطلاق على زمن التطليق ولا على شرط وقوعه.
وإنما نظير المسألة المتنازع فيها أن يقول: «إذا متُّ فأنتِ طالق قبل موتي بشهر»، وهذا المحال بعينه، وهو نظير قوله: «إذا وقع عليك طلاقي فأنتِ طالق قبله ثلاثًا» أو يقول: «أنتِ طالق عام الأول»، فمسألة الشافعي شيء ومسألة ابن سُريج شيء. ويدل عليه أن الشافعي إنما أوقع عليه الطلاق إذا مات لأكثر من شهر من حين التعليق؛ فلو مات عقيبَ اليمين لم تطلَّق، وكانت٤ بمنزلة قوله: «أنت طالق في الشهر الماضي» وبمنزلة قوله: «أنتِ طالق قبل أن أنكحك»، فإن كلا الوقتين ليس بقابلٍ للطلاق؛ لأنها في أحدهما لم تكن محلًّا، وفي الثاني لم تكن فيه طالقًا قطعًا. فقوله: «أنتِ طالق في وقت قد مضى» ولم تكن فيه طالقًا إما إخبار كاذب أو إنشاء٥ باطل. وقد قيل: يقع عليه الطلاق ويلغو قوله: «أمسِ»، لأنه أتى بلفظ الطلاق