أما شرط اقتضاء السبب لحكمه فلا يجوز اقتضاؤه بدون شرطه، ولو تأخّر الشرط عنه لكان مقتضيًا بدون شرطه، وذلك يستلزم إخراج الشرط عن حقيقته، وهو محال.
وأما تقديم الحكم على أحد سببيه في الصورة التي ذكرتموها على إحدى١ الطريقتين، أو تقديمه على شرط بعد وجود سببه على الطريقة الأخرى؛ فالتنظير به مَغْلَطة؛ فإن الحكم لم يتقدم على سببه ولا شرطه، وهذا محال، وإن وقع تسامح في عبارة الفقهاء، فإن انقضاء الحول مثلًا والحنث والموت بعد الجرح شرط٢ للوجوب، ونحن لم نقدِّم الوجوب على شرطه ولا سببه، وإنما قدمنا فعل الواجب. والفرق بين تقدُّم الحكم بالوجوب٣، وبين تقدُّم أداء الواجب، فظهر أن هذا وهم وإيهام.
وقد ظهر أن تقديم٤ شرط علة الحكم وموجِبه على الحكم أمر ثابت عقلًا وشرعًا، ونحن لم نأخذ ذلك عن نص أهل اللغة حتى تطالبونا بنقله، بل ذلك أمر ثابت لذات الشرط وحكمٌ من أحكامه، وليس ذلك متلقًّى من اللغة، بل هو ثابت في نفس الأمر لا يختلف بتقدُّم لفظ ولا تأخُّره، حتى لو قال: «أنتِ طالق إن دخلت الدار» أو قال: «يبعثكِ الله إذا متِّ» و«تجب عليك الصلاة إذا دخل وقتها» ونحو ذلك، فالشرط متقدم عقلًا وطبعًا وشرعًا وإن تأخر لفظًا.
(١) ك: «احد».
(٢) ك: «لشرط».
(٣) «بالوجوب» ساقطة من ك.
(٤) ك: «تقدم».
وأما قولكم: «إن الأحكام تقبل النقل عن مواضعها فتتقدم وتتأخر» فتطويلٌ بلا تحصيل، وتهويلٌ بلا تفضيل، فهل تقبل النقل عن ترتُّبها على١ أسبابها وموجباتها بحيث [٩٢/ب] يثبت الحكم بدون سببه ومقتضيه؟ نعم قد يتقدم ويتأخر وينتقل لقيام سبب آخر يقتضي ذلك، فيكون مرتَّبًا على سببه الثاني بعد انتقاله، كما كان مترتِّبًا٢ على الأول قبل انتقاله، وفي كل من الموضعين هو مترتِّب على سببه، هذا في حكمه وذاك في محله.
وأما تنظيركم بنقل الأحكام وتقدُّمها على أسبابها بقوله: «أنتِ طالق قبل موتي بشهر» وقولكم٣: إن نظيره في الحسّيات أن تقول: «إن زرتَني أكرمتُك قبل زيارتِك بشهر» = فوهمٌ أيضًا وإيهامٌ، فإن قوله: «أنتِ طالق قبل موتي بشهر» إنما تطلَّق إذا مضى شهر بعد هذه اليمين حتى يتبين وقوع الطلاق بعد إيقاعه، فلو مات قبل مضي شهر لم تَطْلُق على الصحيح؛ لأنه يصير بمنزلة أنتِ طالق عامَ الأول. وليس كذلك قوله: «إن زرتَني أكرمتك قبله بشهر»، فإن الطلاق حكم يمكن تقدير وقوعه قبل الموت، والإكرام فعل حسِّي لا يكون إكرامًا بالتقدير، وإنما يكون إكرامًا بالوقوع.
وأما استشهادكم بقوله: «أعتِقْ عبدك» فهو حجة عليكم؛ فإنه يستلزم تقدُّم المِلك التقديري على العتق الذي هو أثره وموجبه، والمِلك شرطه، ولو جاز تأخُّر الشرط لقدر الملك له٤ بعد العتق، وهذا محال؛ فعلم أن
(١) ك: «عن».
(٢) ك: «مرتبا».
(٣) في النسخ: «وقوله»، والسياق يقتضي «وقولكم». وهي كذلك في المطبوع.