الأسباب والشروط يجب تقدمها، سواء كانت محقّقة أو مقدّرة.
وقولكم: «إن هذا التعليق تضمَّن شرطًا ومشروطًا، والقضية الشرطية قد تُعقد للوقوع وقد تُعقد لنفي الشرط والجزاء ... إلى آخره»، فجوابه أن هذا أيضًا١ من الوهم والإيهام؛ فإن القضية الشرطية هي التي يصح الارتباط بين جزأيها، سواء كانا ممكنينِ أو ممتنعينِ، ولا يلزم من صدقها شرطيةً صدقُ جزأيها حَمْليَّتينِ٢؛ فالاعتبار إنما هو بصدقها في نفسها؛ ولهذا كان قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾[الأنبياء: ٢٢] من أصدق الكلام وجُزءَا الشرطيةِ ممتنعان، لكن أحدهما ملزوم للآخر، فقامت القضية الشرطية٣ من التلازم الذي بينهما؛ فإن تعدد الآلهة مستلزم لفساد السموات والأرض، فوجود آلهة مع الله ملزوم لفساد السموات والأرض، والفساد لازم، فإذا انتفى اللازم انتفى ملزومه، فصدقت الشرطية دون مفردَيْها. وأما الشرطية في مسألتنا فهي كاذبة في نفسها؛ لأنها عُقِدت للتلازم بين وقوع الطلاق المنجَّز وسَبْق الطلاق الثلاث عليه، وهذا كذبٌ في الإخبار باطل في الإنشاء؛ فالشرطية نفسها باطلة لا تصح بوجه؛ فظهر أن تنظيرها بالشرطية الصادقة الممتنعة الجزأينِ وهمٌ وإيهامٌ ظاهر لا خفاء به.
(١) ز: «فجوابه أيضًا أن هذا».
(٢) في ك والمطبوع: «جملتين»، تحريف. والقضية الحملية في المنطق هي التي لا تحتوي على الشرط والجزاء، بل تقتصر على الموضوع والمحمول أو المسند إليه والمسند، وهي الجملة الخبرية في اصطلاح النحو.
(٣) «ممتنعان ... الشرطية» ساقطة من ك.
وأما قياسكم المحرر ــ وهو قولكم: «طلاقان متعارضان يسبق أحدهما الآخر، فوجب أن ينفي السابق منهما المتأخر، كقوله: إن قدم زيدٌ ... إلى آخره» ــ فجوابه: أنه لما١ قدم زيد طَلُقتْ ثلاثًا، فقدم عمرو بعده وهي أجنبية، فلم يصادف٢ الطلاق الثاني محلًّا، فهذا معقول شرعًا ولغةً وعرفًا، فأين هذا من تعليقٍ مستحيل شرعًا وعرفًا؟ ولقد وَهَنَتْ كلَّ الوهن مسألةٌ [٩٣/أ] إلى مثل هذا القياس استنادُها، وعليه اعتمادها.
وأما قولكم: «نكتة المسألة أنا لو أوقعنا المنجَّز لزِمَنا أن نوقع قبله ثلاثًا ... إلى آخره»، فجوابه أن يقال: هذا كلام باطل في نفسه، فلا يلزم من إيقاع المنجَّز إيقاعُ الثلاث٣ قبله، لا لغةً ولا عقلًا ولا شرعًا ولا عرفًا. فإن قلتم: لأنه شرط للمعلّق، قِيلَ٤: فقد تبين فساد المعلّق بما فيه كفاية.
ثم نَقلِب عليكم هذه النكتة قلبًا أصحَّ منها شرعًا وعقلًا ولغةً، فنقول: إذا أوقعنا المنجَّز لم يُمكِنَّا أن نوقع قبله ثلاثًا قطعًا، وقد وجد سبب وقوع المنجَّز وهو الإيقاع، فيستلزم موجَبه وهو الوقوع، وإذا وقع موجَبه استحال وقوع الثلاث. وهذه النكتة أصح وأقرب إلى الشرع والعقل واللغة، وبالله التوفيق.
قولكم: «إن المكلَّف أتى بالسبب الذي ضيَّق به على نفسه فألزمناه