وقالوا: هو سدٌّ لباب١ النكاح، حتى الشافعي٢ نفسه أنكره عليهم بذلك وبغيره من الأدلة.
ومن العجب أنكم قلتم في الرد عليهم: لا يصح هذا التعليق؛ لأنه لم يصادف محلًّا، وهو لا يملك الطلاق المنجَّز فلا يملك المعلَّق؛ إذ كلاهما مستدعٍ لقيام محلّه، ولا محلَّ، فهلَّا قبلتم منهم احتجاجَهم عليكم في المسألة السُّريجية بمثل هذه الحجة؟ وهي أن المحلَّ غير قابل لطلقةٍ مسبوقة بثلاث، وكان هذا الكلام لغوًا [٩٤/أ] وباطلًا فلا٣ ينعقد، كما قلتم أنتم في تعليق النكاح بالطلاق: إنه لغو وباطل فلا ينعقد.
فصل
وأما النقض الرابع بقوله: «كل عبد أو أمة أملكه فهو حرٌّ»، فهذا للفقهاء فيه قولان، وهما روايتان عن الإمام أحمد:
إحداهما: أنه٤ لا يصح كتعليق الطلاق.
والثاني: أنه يصح.
والفرق بينه وبين تعليق الطلاق أن مِلك العبد قد شُرِع طريقًا إلى زوال ملكه عنه بالعتق، إما بنفس الملك كمن ملك ذا رَحِمٍ مَحرم، وإما باختيار الإعتاق كمن اشترى عبدًا ليعتقه عن كفارته أو ليتقرب به إلى الله. ولم يشرع
(١) ك: «سد الباب».
(٢) ز: «قال الشافعي».
(٣) «فلا» ليست في ك.
(٤) «أنه» ليست في ز.
الله النكاح طريقًا إلى زوال ملك البضع ووقوع الطلاق، بل هذا يترتب عليه ضدُّ مقصوده١ شرعًا وعقلًا وعرفًا، والعتق المترتب على الشراء ترتيبٌ لمقصوده عليه شرعًا وعرفًا، فأين أحدهما من الآخر؟ وكونه قد٢ سدَّ على نفسه باب ملك الرقيق فلا يخلو إما أن يعلّق ذلك تعليقًا مقصودًا أو تعليقًا قسميًّا؛ فإن كان مقصودًا فهو قد قصد التقرب إلى الله بذلك، فهو كما لو٣ التزم صوم الدهر وسدَّ على نفسه باب الفطر. وإن كان تعليقًا قسميًّا فله سعةٌ بما وسَّع الله عليه من الكفارة، كما أفتى به الصحابة ﵃ وقد تقدم.
فصل
وأما النقض الخامس بمن معه ألف دينار فاشترى بها جارية وأولدها، فهذا أيضًا نقضٌ فاسد؛ فإنه بمنزلة من أنفقها في شهواته وملاذِّه، وقعد ملومًا محسورًا، أو تزوج بها امرأة وقضى وطَرَه منها ونحو ذلك. فأين هذا من سدِّ باب الطلاق وبقاء المرأة كالغُلِّ في عنقه إلى أن يموت أحدهما؟
فصل
قولكم: «قد يكون له في هذه اليمين مصلحةٌ وغرض صحيح، بأن يكون محبًّا لزوجته، ويخشى وقوع الطلاق بالحلف أو غيره، فيسرِّحها»، جوابه أن الشرائع العامة لم تُبْنَ على الصور النادرة، ولو كان لعموم المطلِّقين في هذا مصلحةٌ لكانت حكمةُ أحكم الحاكمين تمنع الرجل من الطلاق بالكلية،