والمتأخرون أحدثوا حيلًا لم يصح القول بها عن أحد من الأئمة، ونسبوها إلى الأئمة، وهم مخطئون في نسبتها إليهم، ولهم مع الأئمة موقف بين يدي الله. ومن عرف سيرة الشافعي وفضله ومكانه من الإسلام علم أنه لم يكن معروفًا بفعل الحيل، ولا بالدلالة عليها، ولا كان يشير على مسلمٍ بها.
وأكثر الحيل التي ذكرها المتأخرون المنتسبون إلى مذهبه من تصرفاتهم، تلقَّوها عن المشرقيين، وأدخلوها في مذهبه، وإن كان رحمه الله تعالى يُجري العقود على ظاهرها، ولا ينظر إلى قصد العاقد ونيته، كما تقدم حكاية كلامه. فحاشاه ثم حاشاه أن يأمر الناس بالكذب والخداع والمكر والاحتيال وما لا حقيقة له، بل ما يتيقن أن باطنه خلاف ظاهره، ولا يُظَنّ بمن دون الشافعي من أهل العلم والدين أنه يأمر أو يبيح ذلك؛ فالفرق بين أن لا يَعتبر القصدَ في العقد ويُجريه٢ على ظاهره وبين أن يسوِّغ عقدًا قد عُلم بناؤه على المكر والخداع وقد علم أن باطنه خلاف ظاهره.
فوالله ما سوَّغ الشافعي ولا إمام من الأئمة هذا العقد قطُّ، ومن نسب٣ ذلك إليه فهم خصماؤه عند الله؛ فالذي سوَّغه٤ الأئمة بمنزلة الحاكم
(١) هذا الفصل منقول عن «بيان الدليل» (ص ١٦١ - ١٦٤).
(٢) ك: «يحرمه».
(٣) ك: «تسبب».
(٤) ك: «يسوغه».
يُجرِي الأحكام على [٩٥/أ] ظاهر عدالة الشهود وإن كانوا في الباطن شهود زور، والذي سوَّغه أصحاب الحيل بمنزلة الحاكم يعلم أنهم في الباطن شهود زور كَذَبة وأن ما شهدوا به لا حقيقة له ثم يحكم بظاهر عدالتهم.
وهكذا في مسألة العِينة: إنما جوَّز الشافعي أن١ يبيع السلعة ممن اشتراها منه، جريًا على ظاهر عقود المسلمين وسلامتها من المكر والخداع، ولو قيل للشافعي: «إن المتعاقدين قد تواطآ على ألف بألف ومائتين، وتراوضا على ذلك، وجعلا السِّلعة محللًا للربا» لم يجوِّز ذلك، ولأنكره غاية الإنكار.
ولقد كان الأئمة من أصحاب الشافعي ينكرون على من يَحكي عنه الإفتاء بالحيل، قال الإمام أبو عبد الله ابن بطَّة٢: سألت أبا بكر الآجرِّي وأنا وهو في منزله بمكة عن هذا الخلع الذي يفتي به الناس، وهو أن يحلف رجل أن لا يفعل شيئًا، ولا بدَّ له من فعله، فيقال له: اخلع زوجتك وافعلْ ما حلفتَ عليه ثم راجِعْها، واليمين بالطلاق ثلاثًا، وقلت له: إن قومًا يفتون الرجل الذي يحلف بأيمان البيعة ويحنث أن لا شيء عليه، ويذكرون أن الشافعي لم يَرَ على من حلف بأيمان البيعة شيئًا. فجعل أبو بكر يَعجب من سؤالي عن هاتين المسألتين في وقت واحد، ثم قال لي٣: منذ كتبتُ العلم وجلست للكلام فيه وللفتوى٤ ما أفتيتُ في هاتين المسألتين بحرف، ولقد