وكان باليمن مطرِّف بن مازن قاضي صنعاء، وعبد الرزاق بن همّام، وهشام بن يوسف، ومحمد بن ثور، وسِمَاك بن الفضل١.
فصل
وكان بمدينة السلام من المفتين خلق كثير. ولمّا بناها المنصور أقدَمَ إليها من الأئمة والفقهاء والمحدثين بشرًا كثيرًا، فكان٢ من أعيان المفتين بها أبو عبيد القاسم بن سلام، وكان جبلًا نُفِخ فيه الروحُ علمًا وجلالةً ونبلًا وأدبًا. وكان منهم أبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبي صاحب الشافعي، وكان قد جالس الشافعي وأخذ عنه. وكان أحمد يعظِّمه ويقول: هو في مِسْلاخ الثوري٣.
وكان بها إمام أهل السنّة على الإطلاق أحمد بن حنبل الذي ملأ الأرض علمًا وحديثًا وسنّةً، حتى إن أئمة الحديث والسنّة بعده هم أتباعه إلى يوم القيامة. وكان ﵁ شديد الكراهة لتصنيف الكتب، وكان يحبُّ تجريد الحديث، ويكره أن يُكتَب كلامُه، ويشتدُّ عليه جدًّا٤، فعلِم الله
(١) هنا انتهى النقل من كتاب "الإحكام" لابن حزم.
(٢) ت: "وكان".
(٣) رواه الخطيب في "التاريخ" (٦/ ٥٧٦). و"المسلاخ": الجِلد. يعني أنه نظير الثوري في علمه وفضله وسمته.
(٤) انظر: "مناقب الإمام أحمد" (١/ ٢٦١ - ٢٦٥).
حسن نيته وقصده، فكُتِب من كلامه وفتاواه١ أكثر من ثلاثين سِفْرًا، ومنَّ الله سبحانه علينا بأكثرها فلم يفُتْنا منها إلا القليل. وجمع الخلَّال نصوصه في "الجامع الكبير"، فبلغ نحو عشرين سِفْرًا أو أكثر٢. ورُويت فتاويه ومسائله وحُدِّث بها قرنًا بعدَ قرنٍ فصارت إمامًا وقدوةً لأهل السنة على اختلاف طبقاتهم، حتى إنَّ المخالفين لمذهبه بالاجتهاد والمقلِّدين لغيره لَيُعظِّمون نصوصه وفتاواه، ويعرفون لها حقَّها [١٥/أ] وقربَها من النصوص وفتاوى الصحابة. ومن تأمَّل فتاواه وفتاوى الصحابة رأى مطابقةَ كلٍّ منهما للأخرى، ورأى الجميعَ كأنها تخرج من مشكاة واحدة، حتَّى إنَّ الصحابة إذا اختلفوا على قولين جاء عنه في المسألة روايتان.
وكان تحرِّيه لفتاوى الصحابة كتحرِّي أصحابه لفتاويه ونصوصه، بل أعظم، حتَّى إنَّه لَيُقدِّم فتاواهم على الحديث المرسل. قال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ في "مسائله"٣: قلتُ لأبي عبد الله: حديثٌ عن رسول الله ﷺ مرسلٌ برجالٍ ثَبَتٍ أحبُّ إليك أو حديثٌ عن الصحابة والتابعين متصلٌ برجال ثَبَت؟ قال أبو عبد الله ﵀: عن الصحابة أعجَبُ إليَّ.
وكانت فتاويه مبنية على خمسة أصول:
أحدها: النصوص. فإذا وجد النص أفتى٤ بموجبه، ولم يلتفت إلى ما
(١) ع: "وفتواه"، وكذا في النسخ المطبوعة.
(٢) في "سير أعلام النبلاء" (١٤/ ٢٩٧) أيضًا: "يكون عشرين مجلدًا". وقد ذكر ابن الجوزي في "مناقب الإمام أحمد" (٢/ ٦٨٢) أنه "نحو من مائتي جزء"، ولا تعارض بين القولين.