سألت أبا عبد الله الزبيري عن هاتين المسألتين كما سألتني على١ التعجب ممن يُقدِم على الفتوى فيهما، فأجابني فيهما بجواب كتبته عنه. ثم قام فأخرج لي كتاب «أحكام الرجعة والنشوز» من كتاب الشافعي، وإذا مكتوب على ظهره بخط أبي بكر: سألتُ أبا عبد الله الزبيري، فقلت له: الرجل يحلف بالطلاق ثلاثًا أن لا يفعل شيئًا، ثم يريد أن يفعله، وقلت له: إن أصحاب الشافعي يفتون فيها بالخلع، يخالع ثم يفعل، فقال الزبيري: ما أعرف هذا من قول الشافعي، ولا بلغني أن له في هذا قولًا معروفًا، ولا أرى من يذكر هذا عنه إلا مُحِيلًا.
والزبيري أحد الأئمة الكبار من الشافعية، فإذا كان هذا قوله وتنزيهه للشافعي عن خلع اليمين فكيف بحيل الربا الصريح وحيل التحليل وحيل إسقاط الزكاة والحقوق وغيرها من الحيل المحرمة؟
فصل٢
ولا بدَّ من أمرين:
أحدهما أعظم من الآخر، وهو النصيحة لله ورسوله وكتابه ودينه، وتنزيهه عن الأقوال الباطلة المناقضة لما بعث الله به رسوله من الهدى والبينات، التي هي خلاف الحكمة والمصلحة والرحمة والعدل، وبيان نفيها عن الدين وإخراجها منه، وإن أدخلها فيه من أدخلها بنوع تأويل.
والثاني: معرفة فضل أئمة الإسلام ومقاديرهم وحقوقهم ومراتبهم، وأن
(١) ك: «عن».
(٢) اعتمد المؤلف في هذا الفصل على «بيان الدليل» (ص ١٥٣ - ١٦٠).
فضلهم وعلمهم ونصحهم لله ورسوله لا يوجب قبولَ كل ما قالوه، وما وقع في فتاويهم من المسائل التي خفي عليهم فيها ما جاء به الرسول فقالوا بمبلغ علمهم والحقُّ في خلافها لا يوجب [٩٥/ب] اطِّراحَ أقوالهم جملةً وتنقُّصَهم والوقيعةَ فيهم؛ فهذان طرفان جائران عن القصد، وقصدُ السبيل بينهما، فلا يُؤثَّم١ ولا يُعصَم، فلا يُسْلَك بهم مسلك الرافضة في علي ولا مسلكهم في الشيخين، بل يُسلك مسلكهم أنفسهم فيمن قبلهم من الصحابة، فإنهم لا يؤثِّمونهم ولا يعصمونهم٢، ولا يقبلون كل أقوالهم ولا يَهدُرونها. فكيف ينكرون علينا في الأئمة الأربعة مسلكًا يسلكونه هم في الخلفاء الأربعة وسائر الصحابة؟
ولا منافاةَ بين هذين الأمرين لمن شرح الله صدره للإسلام، وإنما يتنافيان عند أحد رجلين: جاهل بمقدار الأئمة وفضلهم، أو جاهل بحقيقة الشريعة التي بعث الله بها رسوله، ومن له علم بالشرع والواقع يعلم قطعًا أن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدم صالح وآثار حسنة، وهو من الإسلام وأهله بمكان، قد تكون منه الهفوة والزلّة هو فيها معذور بل مأجور لاجتهاده؛ فلا يجوز أن يُتَّبع فيها، ولا يجوز أن تُهدَر مكانته وإمامته ومنزلته من قلوب المسلمين.
قال عبد الله بن المبارك٣: كنت بالكوفة فناظروني في النبيذ المختلَف فيه، فقلت لهم: تعالوا فلْيحتجَّ المحتجُّ منكم عمن شاء من أصحاب النبي ﷺ
(١) ك: «نأثم».
(٢) «ولا يعصمونهم» ليست في د.
(٣) نقل المؤلف هذه المناظرة عن «بيان الدليل» (ص ١٥٤).