إعلام الموقعين

بالرخصة، فإن لم يُبيَّن الردّ عليه عن ذلك الرجل بشدةٍ صحَّت عنه، فاحتجوا فما جاءوا عن أحد برخصة إلا جئناهم بشدة، فلما لم يبقَ في يد أحد منهم إلا عبد الله بن مسعود، وليس احتجاجهم عنه في شدة النبيذ بشيء يصح عنه، إنما يصح عنه أنه لم يُنتبذ له في الجرِّ الأخضر١.

قال ابن المبارك: فقلت للمحتج عنه في الرخصة: يا أحمق، عُدَّ أنَّ ابن مسعود لو٢ كان هاهنا جالسًا فقال: هو لك حلال، وما وصفنا عن النبي ﷺ وأصحابه في الشدة كان ينبغي لك أن تحذر أو تخشى. فقال قائلهم: يا أبا عبد الرحمن، فالنخعي والشعبي ــ وسمَّى عدة معهما ــ كانوا يشربون الحرام٣، فقلت لهم: دعوا عند المناظرة تسمية الرجال، فربَّ رجل في الإسلام مناقبه كذا وكذا، وعسى أن تكون منه زلَّة، أفيجوز لأحدٍ أن يحتج بها؟ فإن أبيتم فما قولكم في عطاء وطاوس وجابر بن زيد وسعيد بن جبير وعكرمة؟ قالوا: كانوا خيارًا، قلت: فما قولكم في الدرهم بالدرهمين يدًا بيدٍ؟ قالوا: حرام، فقلت: إن هؤلاء رأوه حلالًا، أفماتوا٤ وهم يأكلون الحرام؟ فبُهِتوا وانقطعت حجتهم.

قال ابن المبارك: ولقد أخبرني المعتمر بن سليمان قال: رآني أبي٥

  1. (١) رواه عبد الرزاق (١٦٩٥١) وابن أبي شيبة (٢٤٣٨٣) والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٤/ ٢٢٠).
  2. (٢) «لو» ليست في ك.
  3. (٣) رواه ابن أبي شيبة (٢٤٣٩٢).
  4. (٤) همزة الاستفهام ليست في ك.
  5. (٥) «أبي» ليست في ك.
225

وأنا أُنشِد الشعر، فقال: يا بنيَّ لا تنشد الشعر، فقلت: يا أبَه، كان الحسن يُنشد، وكان ابن سيرين يُنشد، فقال: أي بنيَّ إن أخذتَ بشرِّ ما في الحسن وبشرِّ ما في ابن سيرين اجتمع فيك الشر كله.

قال شيخ الإسلام١: وهذا الذي ذكره ابن المبارك متفق عليه بين العلماء، فإنه ما من أحد من أعيان الأئمة من السابقين الأولين ومن بعدهم إلا وله أقوال وأفعال خفي عليهم فيها السنة.

قلت: وقد قال أبو عمر بن عبد البر في أول «استذكاره»٢.

[٩٦/أ] قال شيخ الإسلام٣: وهذا باب واسع لا يُحصى، مع أن ذلك لا يغُضُّ من أقدارهم، ولا يسوغ اتّباعهم فيها، قال سبحانه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]. قال مجاهد٤ والحكم بن عُتَيبة٥ ومالك٦ وغيرهم: ليس أحد من خلق الله إلا يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي

  1. (١) في «بيان الدليل» (ص ١٥٥).
  2. (٢) بعدها بياض في النسختين ز، د. وكأن المؤلف أراد أن ينقل عنه، فلم يجد الوقت لمراجعته، فبيَّض له. وانظر هذا المعنى في «الاستذكار» (١/ ١٨٨).
  3. (٣) في «بيان الدليل» (ص ١٥٥).
  4. (٤) رواه البيهقي في «المدخل» (١/ ١٠٧) والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (١/ ٤٤١) وابن حزم في «الإحكام» (٦/ ١٤٥) وابن عبد البر في «الجامع» (١٧٦٢ - ١٧٦٥).
  5. (٥) رواه ابن عبد البر في «الجامع» (١٧٦١) ومن طريقه ابن حزم في «الإحكام» (٦/ ٣١٧).
  6. (٦) لم أجده مسندًا مع شهرته، وقال الألباني في «أصل صفة الصلاة» (١/ ٢٧): «نسبة هذا إلى مالك هو المشهور عند المتأخرين، وصححه عنه ابن عبد الهادي [ابن المبرد] في «إرشاد السالك» (٢٢٧/أ)». وقد طبع الكتاب، وهو في (ص ٤٠٢).
226

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي