وقال الحسن: قال أبو الدرداء: إن مما أخشى عليكم زلَّة العالم وجدالَ المنافق بالقرآن، والقرآن حق، وعلى القرآن مَنارٌ كأعلام الطريق٢.
وكان معاذ بن جبل يقول في خطبته كل يوم، قلَّما يُخطِئه أن يقول ذلك: الله حَكَم قِسْطٌ، هلك المرتابون، إن وراءكم فِتنًا يكثر فيها المال، ويُفتح فيها القرآن، حتى يقرأه المؤمن والمنافق والمرأة والصبي والأسود والأحمر، فيوشك أحدهم أن يقول: قد قرأتُ القرآن فما أظنُّ أن يتبعوني حتى أبتدعَ لهم غيرَه. فإياكم وما ابُتدِع، فإن كل بدعة ضلالة، وإياكم وزَيْغةَ الحكيم، فإن الشيطان قد يتكلم على لسان الحكيم بكلمة الضلالة، وإن المنافق قد يقول كلمة الحق، فتلقَّوا الحقَّ عمن جاء به، فإنّ على الحق نورًا. قالوا: كيف زَيْغة الحكيم؟ قال: هي كلمة تَرُوعكم وتنكرونها وتقولون ما هذه، فاحذروا زَيغته، ولا تصدَّنكم عنه، فإنه يوشك أن يفيء ويراجع٣ الحقَّ،
(١) رواه الدارمي (٦٧٥) وأبو نعيم في «الحلية» (٤/ ١٩٤) والبيهقي في «المدخل» (١/ ٤٤٣) وابن عبد البر في «الجامع» (١٨٦٧،١٨٦٩، ١٨٧٠) من طرق عن زياد بن حدير به. قال ابن كثير في «مسند الفاروق» (٢/ ٦٦٢): هذه طرق يشدّ القوي منها الضعيف، فهي صحيحة من قول عمر. وصححه الألباني في «هداية الرواة» (١/ ١٧٢).
(٢) رواه أحمد في «الزهد» (١/ ١٤٣) وأبو نعيم «الحلية» (١/ ٢١٩) وابن عبد البر في «الجامع» (١٨٦) من طريق الحسن به، وهو منقطع بين الحسن وأبي الدرداء. ينظر: «المراسيل» لابن أبي حاتم (ص ٤٤).
(٣) ك: «وأن يراجع».
وإن العلم والإيمان مكانَهما إلى يوم القيامة، فمن ابتغاهما وجدهما١.
وقال سلمان الفارسي: كيف أنتم عند ثلاثٍ: زلَّة عالم، وجدال منافق بالقرآن، ودنيا تَقْطع أعناقكم؟ فأما زلّة العالم فإن اهتدى فلا تقلِّدوه دينَكم وتقولون نصنع مثل ما يصنع فلان، وإن أخطأ فلا تقطعوا إياسَكم منه فتُعِينوا عليه الشيطانَ. وأما مجادلة منافق بالقرآن فإن للقرآن منارًا كمنار الطريق، فما عرفتم منه فخذوا، وما لم تعرفوا٢ فكِلُوه إلى الله سبحانه. وأما دنيا تقطع أعناقكم فانظروا إلى من هو دونكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم٣.
وعن ابن عباس: ويلٌ للأتباع من عَثَرات العالم، قيل: كيف ذلك؟ قال: يقول العالم شيئًا برأيه ثم يجد من هو أعلم منه برسول الله ﷺ فيترك قوله ثم يمضي الأتباع٤. ذكر أبو عمر٥ هذه [٩٦/ب] الآثار كلها وغيره.
فإن٦ كنا قد حُذِّرنا زلَّة العالم وقيل لنا: إنها من أخوف ما يُخاف علينا، وأُمِرنا مع ذلك أن لا نرجع عنه، فالواجب على من شرح الله صدره للإسلام إذا بلغته مقالة ضعيفة عن بعض الأئمة أن لا يحكيها لمن يتقلَّدها، بل
(١) رواه عبد الرزاق (٢٠٧٥٠) والدارمي (٢٠٥) وأبو داود (٤٦١١)، وإسناده صحيح.
(٢) ز: «تعرفوه».
(٣) رواه ابن عبد البر في «الجامع» (١٨٧٣)، وإسناده ضعيف. والأثر صحيح من قول معاذ، صححه أبو نعيم في «الحلية» (٥/ ٩٧).
(٤) رواه البيهقي في «المدخل» (١/ ٤٤٥) وابن عبد البر في «الجامع» (١٨٧٧) والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (١/ ٣٤٧).
(٥) أي ابن عبد البر في «جامع بيان العلم»، وقد سبقت الإحالات إليه.