إعلام الموقعين

يسكت عن ذكرها إن تيقَّن صحتها، وإلا توقَّف في قبولها؛ فكثيرًا ما يُحكَى عن الأئمة ما لا حقيقة له، وكثير من المسائل يُخرِجها بعض الأتباع على قاعدة متبوعه مع أن ذلك الإمام لو رأى أنها تُفضِي إلى ذلك لما التزمها.

وأيضًا فلازم المذهب ليس بمذهب، وإن كان لازم النص حقًّا١؛ لأن الشارع لا يجوز عليه التناقض، فلازم قوله حق، وأما من عداه فلا يمتنع عليه أن يقول الشيء ويَخفى عليه لازمُه، ولو علم أن هذا لازمه لما قاله؛ فلا يجوز أن يقال: هذا مذهبه، ويقول ما لم يقله، وكلُّ من له علم بالشريعة وقدرها وبفضل الأئمة ومقاديرهم وعلمهم وورعهم ونصيحتهم للدين تيقَّن أنهم لو شاهدوا أمر هذه الحيل وما أفضَتْ إليه من التلاعب بالدين لقطعوا بتحريمها.

ومما يوضح ذلك أن الذين أفتَوا من العلماء ببعض مسائل الحيل وأخذوا ذلك من بعض قواعدهم لو بلغهم ما جاء في ذلك عن النبي ﷺ وأصحابه لرجعوا عن ذلك يقينًا، فإنهم كانوا في غاية الإنصاف، وكان أحدهم يرجع عن رأيه بدون ذلك، وقد صرَّح بذلك غير واحد منهم وإن كانوا كلهم مجمعين على ذلك. قال الشافعي٢: إذا صحَّ الحديث عن رسول الله ﷺ فاضربوا بقولي الحائط، وهذا وإن كان لسان الشافعي فإنه لسان الجماعة كلهم، ومن الأصول التي اتفق عليها الأئمة أن أقوال أصحاب رسول الله ﷺ المنتشرة لا تُترك إلا بمثلها.

يوضِّح ذلك أن القول بتحريم الحيل قطعي ليس من مسالك الاجتهاد؛

  1. (١) ك: «حق».
  2. (٢) سبق توثيقه.
230

إذ لو كان من مسالك الاجتهاد لم يتكلم الصحابة والتابعون والأئمة في أرباب الحيل بذلك الكلام الغليظ الذي ذكرنا منه اليسير من الكثير. وقد اتفق السلف على أنها بدعة محدثة؛ فلا يجوز تقليد من يفتي بها، ويجب نقضُ حكمه، ولا يجوز الدلالة للمقلِّد على من يفتي بها، وقد نصَّ الإمام أحمد على ذلك كله، ولا خلاف في ذلك بين الأئمة، كما أن المكيين والكوفيين لا يجوز تقليدهم في مسألة المتعة والصرف والنبيذ، ولا يجوز تقليد بعض المدنيين في مسألة الحشوش و[هي] إتيانِ النساء في أدبارهن، بل عند فقهاء الحديث١ أن من شرب النبيذ المختلَف فيه حُدَّ، وهذا فوق الإنكار باللسان، بل عند فقهاء أهل المدينة يُفسَّق، ولا تُقبل شهادته.

وهذا يردُّ قول من قال: لا إنكارَ في المسائل المختلف فيها، وهذا خلاف٢ إجماع الأئمة، ولا يُعلم إمام من أئمة الإسلام قال ذلك. وقد نصَّ الإمام أحمد على أن من تزوَّج ابنته من الزنا يُقتَل، والشافعي وأحمد ومالك لا يرون خلاف أبي حنيفة في مَن تزوَّج أمه وابنته أنه يُدرأ عنه [٩٧/أ] الحدُّ بشبهةٍ دارئةٍ للحد، بل عند الإمام أحمد ﵁ يُقتل، وعند الشافعي ومالك يُحدُّ حدَّ الزنا في هذا٣، مع أن القائلين بالمتعة والصرف معهم سنة وإن كانت منسوخة، وأرباب الحيل ليس معهم سنة، ولا أثرٌ عن صاحب، ولا قياس صحيح.

وقولهم: «إن مسائل الخلاف لا إنكار فيها» ليس بصحيح؛ فإن الإنكار

  1. (١) ك: «فقهاء أهل الحديث».
  2. (٢) «خلاف» ليست في ك.
  3. (٣) ز، ك: «حد الزاني هذا».
231

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي