إما أن يتوجه إلى القول والفتوى أو العمل، أما الأول فإذا كان القول يخالف سنة أو إجماعا سابقًا١ وجب إنكاره اتفاقًا، وإن لم يكن كذلك فإن بيان ضعفه ومخالفته للدليل إنكار مثله. وأما العمل فإذا كان على خلاف سنة أو إجماع وجب إنكاره بحسب درجات الإنكار، وكيف يقول فقيه: لا إنكار في المسائل المختلف فيها والفقهاء من سائر الطوائف قد صرَّحوا بنقض حكم الحاكم إذا خالف كتابًا أو سنة وإن كان قد وافق فيه بعض العلماء؟ وأما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع وللاجتهاد فيها مساغٌ لم يُنكَر على من عمل بها مجتهدًا أو مقلّدًا٢.
وإنما دخل هذا اللبس من جهة أن القائل يعتقد أن مسائل الخلاف هي مسائل الاجتهاد، كما اعتقد ذلك طوائف من الناس ممن ليس لهم تحقيق في العلم.
والصواب ما عليه الأئمة٣ أن مسائل الاجتهاد ما لم يكن فيها دليل يجب العمل به وجوبًا ظاهرًا، مثل حديث صحيح لا معارضَ له من جنسه فيَسُوغُ ــ إذا عُدِم فيها الدليل الظاهر الذي يجب العمل به ــ الاجتهادُ، لتعارض الأدلة أو لخفاء الأدلة فيها. وليس في قول العالم: «إن هذه المسألة قطعية أو يقينية، أو لا يَسُوغ فيها الاجتهاد» طعنٌ على من خالفها، ولا نسبةٌ له إلى تعمُّدِ خلاف الصواب.
والمسائل التي اختلف فيها السلف والخلف وقد تيقّنا صحةَ أحد
(١) د: «شائعًا».
(٢) ك: «ومقلدا».
(٣) ك: «الأمة».
القولين فيها كثير، مثل كون الحامل تعتدُّ بوضع الحمل، وأن إصابة الزوج الثاني شرط في حلِّها للأول، وأن الغسل يجب بمجرد الإيلاج وإن لم يُنزِل، وأن ربا الفضل حرام، وأن المتعة حرام، وأن النبيذ المسكر حرام، وأن المسلم لا يُقتَل بالكافر، وأن المسح على الخفين جائز حضرًا وسفرًا، وأن السنة في الركوع وضع اليدين على الركبتين دون التطبيق، وأن رفع اليدين عند الركوع والرفع منه سنة، وأن الشفعة ثابتة في الأرض والعقار، وأن الوقف صحيح لازم، وأن دية الأصابع سواء، وأن يد السارق تُقطَع في ثلاثة دراهم، وأن الخاتم من١ الحديد يجوز أن يكون صداقًا، وأن التيمم إلى الكُوعَين بضربة واحدة جائز، وأن صيام الولي عن الميت يُجزِئ عنه، وأن الحاج يلبِّي حتى يرمي جمرة العقبة، وأن المُحرِم له استدامة الطيب دون ابتدائه، وأن السنة أن يسلِّم في الصلاة عن يمينه وعن يساره: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله٢. وأن خيار المجلس ثابت في البيع، وأن المصرَّاة يُردُّ معها عوض [٩٦/ب] اللبن صاعًا من تمر، وأن صلاة الكسوف بركوعين في كل ركعة، وأن القضاء جائز بشاهد ويمين، إلى أضعاف أضعاف ذلك من المسائل. ولهذا صرَّح٣ الأئمة بنقض حكم من حكم بخلاف كثير من هذه المسائل، من غير طعن منهم على من قال بها.
(١) «من» ليست في ك.
(٢) رواه أحمد (٣٦٩٩) وأبو داود (٩٩٦) والترمذي (٢٩٥) والنسائي (١١٤٢) وابن ماجه (٩١٤)، وصححه الطحاوي في «معاني الآثار» (١/ ٢٦٧) وابن خزيمة (٧٢٨) وابن حبان (١٩٩٠) والبيهقي (٢/ ١٧٧) وغيرهم.