عليك من غيرك، ويعلّمونه الشروط التي يريد إنشاءها، فيجعلها إقرارًا؛ فيعلّمونه الكذب في الإقرار، ويشهدون على الكذب وهم يعلمون، ويحكمون بصحته. ولا يستريب مسلم في أن هذا حرام؛ فإن الإقرار شهادة من الإنسان على نفسه، فكيف يلقّن شهادة الزور١ ويشهد عليه بصحتها؟ ثم إن كان وقف الإنسان على نفسه باطلًا في دين الله فقد علَّمتموه حقيقة الباطل؛ فإن الله سبحانه قد علم أن هذا لم يكن وقفًا قبل الإقرار، ولا صار وقفًا بالإقرار الكاذب، فيصير المال حرامًا على من يتناوله إلى يوم القيامة، وإن كان وقف الإنسان على نفسه صحيحًا فقد أغنى الله سبحانه عن تكلُّف الكذب.
قلت: وإن قيل: إنه٢ مسألة خلاف يسوغ فيها الاجتهاد، فإذا وقَفَه على نفسه كان لصحته مساغٌ، لما فيه من الاختلاف السائغ، وأما الإقرار بوقفه من غير إنشاء متقدم فكذب بحتٌ، ولا يجعله ذلك وقفًا اتفاقًا إذا٣ أخذ الإقرار على حقيقته، ومعلوم قطعًا أن تقليد الإنسان لمن يفتي بهذا القول ويذهب إليه أقربُ إلى الشرع والعقل من توصُّله إليه بالكذب والزور والإقرار الباطل؛ فتقليد عالم من علماء المسلمين أعذرُ عند الله من تلقين الكذب والشهادة عليه.
فصل
ولهم حيلة أخرى، وهي أن الذي يريد الوقف يملِّكه لبعض من [٩٨/أ]
(١) ك: «زور».
(٢) ك: «إنها».
(٣) ز: «فإذا».
يثق به، ثم يقِفُه ذلك المملَّك١ عليه بحسب اقتراحه. وهذا لا شك في قبحه وبطلانه؛ فإن التمليك المشروع المعقول أن يرضى المملِّك بنقل المِلك إلى المملَّك بحيث يتصرف فيه بما يجب من وجوه التصرفات، وهنا قد علم الله سبحانه والحفظة الموكَّلون بالعبد ومن يشاهدهم من بني آدم من هذا المملّك أنه لم يرضَ بنقل الملك إلى هذا، ولا خطر له على بالٍ، ولو سأله درهمًا واحدًا فلعله كان لم٢ يسمح عليه به، ولم يرضَ بتصرُّفه فيه إلا بوقفه على المملَّك٣ خاصة، بل قد ملَّكه إياه بشرط أن يتبرَّع عليه به وقفًا، إما شرط مذكور وإما شرط معهود متواطأ عليه، وهذا تمليك فاسد قطعًا، وليس بهبة ولا صدقة ولا هدية ولا وصية٤ ولا إباحة، وليس هذا بمنزلة العمرى والرُّقبى المشروط فيها العود إلى المُعمِر، فإنه هناك ملَّكه التصرُّفَ فيه وشرطَ العودَ، وهنا لم يملِّكه شيئًا، وإنما تكلَّم بلفظ التمليك غير قاصد معناه، والموهوب له يصدِّقه أنهما لم يقصدا حقيقة الملك، بل هو استهزاء بآيات الله وتلاعبٌ بحدوده، وسنذكر إن شاء الله في الفصل الذي بعد هذا الطريقَ الشرعية المُغنِية عن هذه الحيلة الباطلة.
فصل
ومن الحيل الباطلة: تحيُّلُهم على إيجار الوقف مائة سنة مثلًا، وقد شرط الواقف أن لا يُؤجِر أكثر من سنتين أو ثلاثًا؛ فيُؤجِره المدةَ الطويلة في