إعلام الموقعين

يثق به، ثم يقِفُه ذلك المملَّك١ عليه بحسب اقتراحه. وهذا لا شك في قبحه وبطلانه؛ فإن التمليك المشروع المعقول أن يرضى المملِّك بنقل المِلك إلى المملَّك بحيث يتصرف فيه بما يجب من وجوه التصرفات، وهنا قد علم الله سبحانه والحفظة الموكَّلون بالعبد ومن يشاهدهم من بني آدم من هذا المملّك أنه لم يرضَ بنقل الملك إلى هذا، ولا خطر له على بالٍ، ولو سأله درهمًا واحدًا فلعله كان لم٢ يسمح عليه به، ولم يرضَ بتصرُّفه فيه إلا بوقفه على المملَّك٣ خاصة، بل قد ملَّكه إياه بشرط أن يتبرَّع عليه به وقفًا، إما شرط مذكور وإما شرط معهود متواطأ عليه، وهذا تمليك فاسد قطعًا، وليس بهبة ولا صدقة ولا هدية ولا وصية٤ ولا إباحة، وليس هذا بمنزلة العمرى والرُّقبى المشروط فيها العود إلى المُعمِر، فإنه هناك ملَّكه التصرُّفَ فيه وشرطَ العودَ، وهنا لم يملِّكه شيئًا، وإنما تكلَّم بلفظ التمليك غير قاصد معناه، والموهوب له يصدِّقه أنهما لم يقصدا حقيقة الملك، بل هو استهزاء بآيات الله وتلاعبٌ بحدوده، وسنذكر إن شاء الله في الفصل الذي بعد هذا الطريقَ الشرعية المُغنِية عن هذه الحيلة الباطلة.

فصل

ومن الحيل الباطلة: تحيُّلُهم على إيجار الوقف مائة سنة مثلًا، وقد شرط الواقف أن لا يُؤجِر أكثر من سنتين أو ثلاثًا؛ فيُؤجِره المدةَ الطويلة في

  1. (١) ك: «المملوك».
  2. (٢) «لم» ليست في النسخ، وقد زيدت في هامش د.
  3. (٣) ك: «الملك».
  4. (٤) «وهذا تمليك ... ولا وصية» ساقطة من ز.
236

عقود متفرقة في مجلس واحد.

وهذه الحيلة باطلة قطعًا، فإنه إنما قصد بذلك دفع المفاسد المترتبة على طول مدة الإجارة، فإنها مفاسد كثيرة جدًّا، وكم قد ملك من الوقوف بهذه الطريق وخرج عن الوقفية بطول المدة واستيلاء المستأجر فيها على الوقف هو وذريته وورثته سنين١ بعد سنين، وكم فات البطون اللواحق من منفعة الوقف بالإيجار الطويل، وكم أُوجِر الوقفُ بدون إجارة مثله لطول٢ المدة وقبض الأجرة، وكم زادت أجرة الأرض أو العقار أضعافَ ما كانت ولم يتمكَّن الموقوف عليه من استيفائها. وبالجملة فمفاسد هذه الإجارة تفوت العدَّ، والواقف إنما قصد دفعها، وخشي منها بالإجارة الطويلة، فصرَّح بأنه لا يُؤجِر أكثر من تلك المدة التي شرطها، فإيجاره أكثر منها سواء كان في عقدٍ أو عقودٍ مخالَفةٌ صريحة لشرطه، مع ما فيها من المفسدة بل المفاسد العظيمة.

ويا لله العجب! هل تزول هذه المفاسد بتعدد العقود في مجلس واحد؟ وأي غرض للعاقل أن يمنع الإجارة لأكثر من تلك المدة ثم يجوِّزها في ساعة واحدة، في عقود متفرقة؟ وإذا آجرَه في عقود متفرقة أكثر من ثلاث سنين، أيصح أن يقال: وفَى بشرط٣ الواقف ولم يخالفه؟ هذا من أبطل الباطل وأقبح الحيل، وهو مخالف لشرط الواقف ومصلحة الموقوف عليه، وتعريضٌ لإبطال هذه الصدقة، وأن لا يستمر نفعها، ولا يصل إلى من بعد

  1. (١) في جميع النسخ: «سنينا».
  2. (٢) ك: «ولطول».
  3. (٣) ك: «شرط».
237

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي