إعلام الموقعين

لنصوص الشارع نظير من كلام غيره أبدًا، بل نصوص الواقف يتطرَّق إليها التناقض والاختلاف، ويجب إبطالها إذا خالفت نصوص الشارع وإلغاؤها، ولا حرمةَ لها حينئذٍ البتةَ، ويجوز بل يترجح مخالفتها إلى ما هو أحبُّ إلى الله ورسوله منها وأنفع للواقف والموقوف عليه، ويجوز اعتبارها والعدول١ عنها مع تساوي الأمرين، ولا يتعيَّن الوقوف معها. وسنذكر إن شاء الله فيما بعدُ ونبيِّن ما يحلُّ الإفتاء به٢ وما لا يحلُّ من شروط الواقفين؛ إذ٣ القصد بيان بطلان هذه الحيلة شرعًا وعرفًا ولغةً.

فصل

ومن الحيل الباطلة: ما لو حلف أن لا يفعل شيئًا، ومثله لا يفعله بنفسه أصلًا، كما لو حلف السلطان أن لا يبيع كذا، ولا يحرث هذه الأرض ولا يزرعها، ولا يُخرِج هذا من بلده، ونحو ذلك، فالحيلة أن يأمر غيره أن يفعل ذلك، ويَبَرُّ٤ في يمينه إذا لم يفعله بنفسه.

وهذا من أبرد الحيل وأسمجِها وأقبحها، وفعل ذلك هو الحنث الذي حلف عليه بعينه، ولا يشكُّ٥ في أنه حانث، ولا أحد من العقلاء، وقد علم الله ورسوله والحَفَظَة ــ بل والحالف نفسه ــ أنه إنما حلف على نفي الأمر

  1. (١) ك: «والعدل».
  2. (٢) «به» ليست في ك.
  3. (٣) ك: «إذا».
  4. (٤) ك: «ويبين»، تحريف.
  5. (٥) ك: «ولا شك».
239

والتمكين من ذلك، لا على مباشرته. والحيل إذا أفضَتْ إلى مثل هذا سَمُجَت غاية السماجة، ويلزم أرباب الحيل ــ والظاهر أنهم يقولون ــ أنه١ إذا حلف أن لا يكتب لفلان توقيعًا ولا عهدًا ثم أمر كتَّابه أن يكتبوه له، فإنه لا يحنث، سواء كان أميًّا أو كاتبًا، وكذلك إذا حلف أن لا يحفر هذا البئر، ولا يُكرِي هذا النهر، فأمر غيره بحفْره وإكرائه أنه لا يحنث.

فصل

ومن الحيل الباطلة: لو حلف لا يأكل هذا الرغيف، أو لا يسكن في الدار هذه السنة، أو لا يأكل هذا الطعام، فليأكل الرغيف [٩٩/أ] ويَدَعْ منه لقمة واحدة، ويسكن السنة كلها إلا يومًا واحدًا، ويأكل الطعام كله إلا القدر اليسير منه ولو أنه لقمة.

وهذه حيلة باردة باطلة، ومتى فعل ذلك فقد أتى بحقيقة الحنث، وفعل نفس ما حلف عليه، وهذه الحيلة لا تتأتى على قول من يقول: يحنث بفعل بعض المحلوف عليه، ولا على قول من يقول: لا يحنث، لأنه لم يرد مثل هذه الصورة قطعًا، وإنما أراد به إذا أكل لقمة مثلًا من الطعام الذي حلف أنه لا يأكله أو حبَّةً من القِطْف٢ الذي حلف على تركه، ولم يُرِد أنه يأكل القطف إلا حبة واحدة منه، وعالم لا يقول هذا.

ثم يَلزم هذا المتحيلَ أن يجوِّز للمكلَّف فعلَ كل ما نهى الشارع عن جملته فيفعله إلا القدر اليسير منه، فإن البرّ والحِنث في الأيمان نظيرُ الطاعة

  1. (١) «أنه» ليست في ك.
  2. (٢) العنقود ساعةَ يُقطَف.
240

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي