تُولَّه والدةٌ على ولدها١، وأخبر أن من فرَّق بين والدةٍ وولدِها فرَّق الله بينه وبين أحبَّته يوم القيامة٢، ومنع أن تُباع٣ الأم دون ولدها والولد دونها، وإن كانا في بلد واحد٤، فكيف يجوز مع هذا التحيلُ على التفريق بينها وبين ولدها تفريقًا تعِزُّ معه رؤيته ولقاؤه ويعِزُّ عليها الصبر عنه وفقده؟ هذا من أمحل المحال، بل قضاء الله ورسوله أحقُّ أن الولد للأم؛ سافر الأب أو أقام، والنبي ﷺ قال للأم: «أنتِ أحقُّ به ما لم تَنْكحِي»٥، فكيف يقال: أنتِ أحقُّ به ما لم تسافري مع الأب؟ وأين هذا في كتاب الله أو سنة رسوله أو فتاوى أصحابه أو القياس الصحيح؟ فلا نص ولا قياس ولا مصلحة.
فصل
ومن الحيل الباطلة المحرمة: إذا أراد حرمانَ امرأته الميراثَ، أو كانت
(١) رواه البيهقي (٨/ ٥) عن أبي بكر مرفوعًا. وفي إسناده ابن لهيعة، ضعيف.
(٢) رواه أحمد (٢٣٤٩٨) والترمذي (١٢٨٣، ١٥٦٦) والدارقطني (٣/ ٦٧) والحاكم (٢/ ٥٥) عن أبي أيوب الأنصاري. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. والحديث حسن بمجموع طرقه وشواهده. انظر تعليق المحققين على «المسند».
(٣) ز: «تنازع». ك: «ابتاع».
(٤) تقدم تخريجه.
(٥) رواه أبو داود (٢٢٧٦) والحاكم (٢/ ٢٠٨) والبيهقي (٨/ ٤ - ٥) من طريق الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن عمرو بن شعيب به، وهذا الإسناد صحيح. وله طرق أخرى عن عمرو. والحديث صححه ابن الملقن في «البدر المنير» (٨/ ٣١٧) وابن كثير في «إرشاد الفقيه» (٢/ ٢٥٠) وأحمد شاكر في تحقيق «المسند» (١٠/ ١٧٧)، وحسَّنه الألباني في «الإرواء» (٢١٨٧).
تركته كلها عبيدًا وإماءً فأراد [٩٩/ب] جعل تدبيرهم من رأس المال، أن يقول في الصورة الأولى: إذا متُّ من مرضي هذا فأنت١ طالق قبل مرضي بساعة ثلاثًا، ويقول في الصورة الثانية: إذا متُّ في مرضي هذا فأنتم عُتقاء قبلَه بساعة، وحينئذٍ فيقع الطلاق والعتق في الصحة.
وهذه حيلة باطلة؛ فإن التعليق إنما وقع منه في حال مرض موته، ولم يقارِنْه أثره، وهو في هذه الحال لو نجَّز العتق والطلاق لكان العتق من الثلث والطلاق غير مانع للميراث، مع مقارنة أثره له، وقوةِ المنجَّز وضعفِ المعلَّق. وأيضًا فالشرط هو موته في٢ مرضه، والجزاء المعلَّق عليه هو العتق والطلاق، والجزاء يستحيل أن يسبق شرطه؛ إذ في ذلك إخراج الشرط عن حقيقته وحكمه، وقد تقدَّم تقرير ذلك في الحيلة السُّريجية.
فصل
ومن الحيل الباطلة المحرمة: إذا كان مع أحدهما دينار رديء ومع الآخر نصف دينار جيد، فأرادا بيع أحدهما بالآخر، قال أرباب الحيل: الحيلة أن يبيعه دينارًا بدينار في الذمة، ثم يأخذ البائع الدينار الذي يريد شراءه٣ بالنصف، فيريد الآخر دينارًا عوضه، فيدفع إليه نصف الدينار وفاء، ثم يستقرضه منه، فيبقى له في ذمته نصف دينار، ثم يعيده إليه وفاء عن قرضه، فيبرأ منه، ويفوز كلٌّ منهما بما كان مع الآخر.