ومن الحيل الباطلة: إذا غصَبَه١ طعامًا ثم أراد أن يبرأ منه ولا يُعلِمه به، فليدْعُه إلى داره، ثم يقدِّم له ذلك الطعام، فإذا أكله برئ الغاصب.
وهذه الحيلة باطلة، فإنه لم يملِّكه إياه، ولا مكَّنه من التصرف فيه، فلم يكن بذلك رادًّا لعينِ ماله إليه.
فإن قيل: ما تقولون لو أهداه إليه فقبله وتصرف فيه وهو لا يعلم أنه ماله؟
قيل: إن خاف من إعلامه به ضررًا يلحقه منه برئ بذلك، وإن لم يخَفْ ضررًا وإنما أراد المنة عليه ونحو ذلك لم يبرأ، ولا سيما إن كافأه على الهدية فقبل، فهذا لا يبرأ قطعًا.
فصل
ومن الحيل الباطلة بلا شك: الحيل التي يُفتَى بها مَن حلف لا يفعل الشيء ثم حلف ليفعلنَّه، فيتحيل له حتى يفعله بلا حنث، وذكروا لها صورًا:
أحدها: أن يحلف لا يأكل هذا الطعام، ثم يحلف هو أو غيره ليأكلنَّه، فالحيلة أن يأكله إلا لقمة منه، فلا يحنث.
ومنها: لو حلف أن لا يأكل هذا الجبن، ثم حلف ليأكلنَّه، قالوا: فالحيلة أن يأكله بالخبز، ويبرّ ولا يحنث.
(١) د: «اغصبه».
ومنها: لو حلف لا يلبس هذا الثوب، ثم حلف هو أو غيره ليلبسنَّه، فالحيلة أن يقطع منه شيئًا يسيرًا ثم يلبسه، فلا يحنث.
وطردُ قولهم أن يَنْسِل١ منه خيطًا ثم يلبسه. ولا يخفى أمر هذه الحيلة وبطلانها٢، وأنها من أقبح الخداع وأسمجه، ولا يتمشَّى على قواعد الفقه ولا فروعه ولا أصول الأئمة؛ فإنه إن كان بتَرْك البعض لا يُعدُّ آكلًا ولا لابسًا فإنه لا يَبرُّ بالحلف ليفعلنّ، فإنه إن عُدَّ فاعلًا وجب أن يحنث في جانب النفي، وإن لم يُعدَّ فاعلًا وجب أن يحنث في جانب الثبوت، فأما أن يُعدَّ فاعلًا بالنسبة إلى الثبوت وغير فاعل بالنسبة إلى النفي فتلاعبٌ.
فصل
ومنها: الحيل التي تُبطل الظهار والإيلاء والطلاق والعتق بالكلية، وهي مشتقة من الحيلة السُّرَيجية، كقوله: إن تظاهرتُ منكِ أو آليتُ منكِ فأنتِ طالق قبله ثلاثًا، فلا يمكنه بعد ذلك ظهار ولا إيلاء. وكذلك يقول: إن عَتَقْتُك فأنت حر قبل الإعتاق. وكذلك لو قال: إن بعتُك فأنت حر قبل البيع. وقد تقدم بطلان هذه الحيل كلها.
فصل
ومن الحيل الباطلة: أن يكون له على رجل مالٌ، وقد أفلس غريمه وأيِسَ مِن أخذه منه، وأراد أن يحسبه من الزكاة، فالحيلة أن يعطيه من الزكاة بقدر ما عليه، فيصير مالكًا للوفاء، فيطالبه حينئذٍ بالوفاء، فإذا وفّاه برئ