وهذه حيلة باطلة، سواء شرط عليه الوفاء أو منعه من التصرف فيما دفعه إليه أو ملَّكه إياه بنية أن يستوفيه من دَينه، فكل هذا لا يُسقط عنه الزكاة، ولا يُعدُّ مخرجًا لها لا شرعًا ولا عرفًا، كما لو [١٠٣/أ] أسقط دينه وحسبه من الزكاة.
قال مهنَّا١: سألت أبا عبد الله عن رجل له على رجل دينٌ برهنٍ، وليس عنده قضاؤه، ولهذا الرجل زكاة مالٍ، قال٢: يفرِّقه على المساكين، فيدفع إليه رهنه، ويقول له: الدين الذي لي عليك هو لك، ويحسبه من زكاة ماله، قال٣: لا يجزئه ذلك. فقلت له٤: فيدفع إليه زكاته، فإن ردَّه٥ إليه قضاءً مما له أخذه؟ قال: نعم.
وقال٦ في موضع آخر ــ وقيل له: فإن أعطاه ثم ردَّه إليه؟ ــ قال: إذا كان بحيلة فلا يُعجبني، قيل له: فإن استقرض الذي عليه الدين دراهمَ فقضاه إياها، ثم ردَّها عليه وحسَبَها من الزكاة؟ قال: إذا أراد بهذا إحياء ماله فلا يجوز.
(١) كما في «المغني» (٤/ ١٠٦).
(٢) «قال» ليست في ك.
(٣) أي الإمام أحمد (أبو عبد الله).
(٤) «له» ليست في ز.
(٥) ك: «رد».
(٦) «المغني» (٤/ ١٠٦).
ومطلق كلامه ينصرف إلى هذا المقيد؛ فيحصل من مذهبه أن دفع١ الزكاة إلى الغريم جائز، سواء دفعها ابتداء أو استوفى حقَّه ثم دفع ما استوفاه إليه، إلا أنه متى قصد بالدفع إحياء ماله واستيفاء دينه لم يجز؛ لأن الزكاة حق لله٢ وللمستحق، فلا يجوز صرفها إلى الدافع، ويفوز بنفعها العاجل.
ومما يوضح ذلك أن الشارع منعه من أخذها من المستحق بعوضها، فقال: «لا تشترِها ولا تعُدْ في صدقتك»٣، فجعله بشرائها منه بثمنها عائدًا فيها، فكيف إذا دفعها إليه بنيةِ أخْذِها منه؟ قال جابر بن عبد الله: إذا جاء المصَّدق فادفع إليه صدقتك، ولا تشترِها، فإنهم كانوا يقولون: «ابتَعْها» فأقول: إنما هي لله٤. وقال ابن عمر: لا تشترِ طَهورَ مالك٥.
وللمنع من شرائه علتان:
إحداهما: أنه يتخذ ذريعة وحيلة إلى استرجاع شيء منها؛ لأن الفقير يستحيي منه فلا يماكسه في ثمنها، وربما أرخصها ليطمع٦ أن يدفع إليه
(١) ك: «يدفع».
(٢) ز: «الله».
(٣) رواه البخاري (١٤٨٩) ومسلم (١٦٢١) من حديث ابن عمر عن أبيه عمر.
(٤) رواه عبد الرزاق (٦٨٩٦) وابن أبي شيبة (١٠٦٠١)، كلاهما من طريق ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر، وإسناد صحيح.
(٥) رواه عبد الرزاق (٦٨٩٧) وابن أبي شيبة (١٠٦٠٠)، كلاهما من طريق مسلم بن جبير عن ابن عمر بلفظ «طهرة مالك». ومسلم بن جبير ترجمه أحمد في «العلل» (٢/ ٥١٢) والبخاري في «التاريخ الكبير» (٤/ ٢٥٨) وابن أبي حاتم (٤/ ١٨١) ولم يذكروا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حبان في «الثقات» (٥/ ٣٩٣).