إعلام الموقعين

ومطلق كلامه ينصرف إلى هذا المقيد؛ فيحصل من مذهبه أن دفع١ الزكاة إلى الغريم جائز، سواء دفعها ابتداء أو استوفى حقَّه ثم دفع ما استوفاه إليه، إلا أنه متى قصد بالدفع إحياء ماله واستيفاء دينه لم يجز؛ لأن الزكاة حق لله٢ وللمستحق، فلا يجوز صرفها إلى الدافع، ويفوز بنفعها العاجل.

ومما يوضح ذلك أن الشارع منعه من أخذها من المستحق بعوضها، فقال: «لا تشترِها ولا تعُدْ في صدقتك»٣، فجعله بشرائها منه بثمنها عائدًا فيها، فكيف إذا دفعها إليه بنيةِ أخْذِها منه؟ قال جابر بن عبد الله: إذا جاء المصَّدق فادفع إليه صدقتك، ولا تشترِها، فإنهم كانوا يقولون: «ابتَعْها» فأقول: إنما هي لله٤. وقال ابن عمر: لا تشترِ طَهورَ مالك٥.

وللمنع من شرائه علتان:

إحداهما: أنه يتخذ ذريعة وحيلة إلى استرجاع شيء منها؛ لأن الفقير يستحيي منه فلا يماكسه في ثمنها، وربما أرخصها ليطمع٦ أن يدفع إليه

  1. (١) ك: «يدفع».
  2. (٢) ز: «الله».
  3. (٣) رواه البخاري (١٤٨٩) ومسلم (١٦٢١) من حديث ابن عمر عن أبيه عمر.
  4. (٤) رواه عبد الرزاق (٦٨٩٦) وابن أبي شيبة (١٠٦٠١)، كلاهما من طريق ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر، وإسناد صحيح.
  5. (٥) رواه عبد الرزاق (٦٨٩٧) وابن أبي شيبة (١٠٦٠٠)، كلاهما من طريق مسلم بن جبير عن ابن عمر بلفظ «طهرة مالك». ومسلم بن جبير ترجمه أحمد في «العلل» (٢/ ٥١٢) والبخاري في «التاريخ الكبير» (٤/ ٢٥٨) وابن أبي حاتم (٤/ ١٨١) ولم يذكروا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حبان في «الثقات» (٥/ ٣٩٣).
  6. (٦) ز: «ليطمعا».
261

صدقة أخرى، وربما علم أو توهَّم أنه إن لم يبِعْه إياها استرجعها منه، فيقول: ظفري بهذا الثمن خير من الحرمان.

العلة الثانية: قطع طمع نفسه عن العود في شيء أخرجه لله بكل طريق، فإن النفس متى طمعت في عوده بوجه ما فآمالُها بعدُ متعلقة به، فلم تطِبْ به نفسًا لله وهي متعلقة به، فقطع عليها طمعها١ في العود، ولو بالثمن، ليتمحَّص الإخراج لله، وهذا شأن النفوس الشريفة٢ ذوات الأقدار والهمم، أنها إذا أعطت عطاء لم تسمح بالعود فيه بوجه لا بشراء ولا غيره، وتعدُّ ذلك دناءة، ولهذا مثَّل النبي ﷺ العائد في هبته بالكلب٣ يعود في قيئه٤، لخِسَّته ودناءة نفسه وشُحِّه بما قاءه أن يفوته٥.

فمن محاسن الشريعة منع المتصدق من شراء٦ صدقته، ولهذا منع مِن سكنى بلاده التي هاجر منها لله وإن صارت بعد ذلك دارَ إسلام، كما منع النبي ﷺ المهاجرين بعد الفتح من الإقامة بمكة فوق ثلاثة أيام٧، لأنهم خرجوا عن ديارهم لله؛ فلا ينبغي أن يعودوا في شيء تركوه لله، وإن زال

  1. (١) ك: «طمعا».
  2. (٢) «الشريفة» ليست في د.
  3. (٣) ز: «كالكلب».
  4. (٤) رواه مسلم (١٦٢٢) من حديث ابن عباس.
  5. (٥) ز: «يعود به».
  6. (٦) ك: «شرى».
  7. (٧) كما في حديث العلاء بن الحضرمي الذي أخرجه البخاري (٣٩٣٣) ومسلم (١٣٥٢).
262

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي