قطُّ، ولعدَّه كل أحدٍ١ عاصيًا، وإذا تدبَّر العالم في الشريعة أمرَ هذه الحيل لم يخْفَ عليه نسبتُها إليها ومحلُّها منها، والله المستعان.
فصل
ومن الحيل الباطلة: لو حلف لا يبيع هذه السلعة بمائة دينار أو ازداد٢ عليها؛ فلم يجد من يشتريها بذلك فليبعها بتسعة وتسعين دينارًا، أو مائة جزء من دينار، أو أقل من ذلك، أو يبِعْها٣ بدراهم تساوي ذلك، أو يبِعْها بتسعين دينارًا ومنديلًا أو ثوبًا ونحو ذلك.
وكل هذه حيل باطلة، فإنها تتضمن نفس مخالفته لما نواه وقصده وعقَدَ قلبه عليه، وإذا كانت يمين الحالف على ما يصدِّقه عليه صاحبه ــ كما قال النبي ﷺ٤ ــ، فيمينه على ما يعلمه الله من قلبه كائنًا من كان؛ فليقل ما شاء، وليتحيل ما شاء، فليست يمينه إلا على ما علمه الله من قلبه. قال الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾[البقرة: ٢٢٥] فأخبر سبحانه أنه٥ إنما يعتبر في الأيمان قصد القلب وكسبه، لا مجرد اللفظ الذي لم يقصده أو لم يقصد معناه؛ على التفسيرين في اللغو، فكيف إذا كان قاصدًا [١٠٤/ب] لضدِّ ما تحيَّل عليه؟
(١) ك: «واحد».
(٢) ك: «زاد».
(٣) ك: «يبيعها».
(٤) تقدم تخريجه.
(٥) «أنه» ليست في ك.
فصل
ومن الحيل الباطلة على أن يطأ أمته وإذا حَبِلَتْ منه لم تصر أم ولد، فله١ بيعها: أن يملِّكها لولده الصغير، ثم يتزوجها ويطأها، فإذا ولدت منه عتق الأولاد على الولد؛ لأنهم إخوته، ومن ملك أخاه عتق عليه.
قالوا: فإن خاف أن لا تتمشى هذه الحيلة على قول الجمهور الذين لا يجوِّزون للرجل أن يتزوج بجارية ابنه ــ وهو قول أحمد ومالك والشافعي ــ فالحيلة أن يملِّكها لذي رحم مَحرم منه، ثم يزوجه إياها، فإذا ولدت عتق الولد على ملك ذي الرحم؛ فإذا أراد بيع الجارية فليهَبْها له، فينفسخ النكاح، فإن لم يكن له ذو رحم محرم فليملِّكها أجنبيًّا، ثم يزوِّجه بها، فإن خاف من رِقّ الولد فليعلِّق الأجنبي عتقهم بشرط الولادة، فيقول: كل ولدٍ تَلِدينَه فهو حر، فيكون الأولاد كلهم أحرارًا؛ فإذا أراد بيعها بعد ذلك فليتَّهِبْها من الأجنبي ثم يبِعْها٢.
وهذه الحيلة أيضًا باطلة؛ فإن حقيقة التمليك لم توجد، إذ حقيقته نقل المِلك إلى المملَّك يتصرف فيه كما أحب. هذا هو المِلك المشروع المعقول المتعارف، فأما تمليك لا يتمكَّن فيه المملَّك من التصرف إلا بالتزويج وحده؛ فهو تلبيس لا تمليك؛ فإن المملَّك٣ لو أراد وطأها أو الخلوة بها أو النظر إليها لشهوة٤ أو التصرف فيها كما يتصرف المالك في