مملوكه لما أمكنه ذلك؛ فإن هذا تمليكُ تلبيسٍ وخداع ومكر، لا تمليك حقيقةٍ، بل قد علم الله والمملِّك والمملَّك١ أن الجارية لسيدها ظاهرًا وباطنًا٢، وأنه لم يطِبْ قلبه بإخراجها عن ملكه بوجه من الوجوه. وهذا التمليك بمنزلة تمليك الأجنبي مالَه كله ليسقط عنه زكاته٣ ثم يسترِدّه منه، ومعلوم قطعًا أنه لا حقيقة لهذا التمليك عرفًا ولا شرعًا، ولا يُعدُّ المملَّك٤ له على هذا الوجه غنيًّا به، ولا يجب عليه به الحج والزكاة والنفقة وأداء الديون، ولا يكون به واجدًا للطَّول معدودًا في جملة الأغنياء؛ فهذا هو الحقيقة، لا التمليك الباطل الذي هو مكر وخداع وتلبيس.
فصل
ومن الحيل الباطلة: التحيلُ على ردِّ امرأته بعد أن بانت منه وهي لا تشعر بذلك، وقد ذكر أرباب الحيل وجوهًا كلها باطلة:
فمنها أن يقول لها: حلفتُ يمينًا واستفتيتُ فقيل لي جدِّد نكاحك؛ فإن كان الطلاق قد وقع وإلا لم يضرَّك، فإذا أجابته قال: اجعلي الأمر إليَّ في تزويجك. ثم يحضر الولي والشهود ويتزوجها، فتصير امرأته بعد البينونة وهي لا تشعر.
فإن لم يتمكن من هذا الوجه فلينتقل إلى وجه ثان، وهو أن يُظهِر أنه
(١) «والمملك» ساقطة من ك.
(٢) د: «باطنًا وظاهرًا».
(٣) ك: «زكاة».
(٤) ك: «الملك».
يريد سفرًا ويقول: لا آمنُ الموت وأنا أريد أن أكتب لك هذه الدار أو أجعل لك١ هذا المتاع صداقًا بحيث لا يمكن إبطاله وأريد أن أشهد على ذلك، فاجعلي أمركِ إليَّ حتى أجعله صداقًا؛ فإذا فعلتْ عقد نكاحها على ذلك وتم الأمر.
فإن لم يُرِد السفر فليظهر أنه مريض، ثم يقول لها: أريد أن أجعل لك ذلك، وأخاف أن أُقِرَّ لك به فلا يُقبل؛ فاجعلي أمركِ إليَّ حتى أجعله [١٠٥/أ] صداقًا، فإذا فعلتْ أحضرَ وليَّها وتزوَّجها.
فإن حذِرَت المرأة من ذلك كله ولم يتمكَّن منه لم يبقَ له إلا حيلة واحدة، وهي أن يحلف بطلاقها، أو يقول: قد حلفتُ بطلاقك أني أتزوج عليك في هذا اليوم أو هذا الأسبوع أو أسافر بك، وأنا أريد أن أتمسك بك ولا أُدخل عليك ضرَّةً ولا تسافرين، فاجعلي أمركِ إليَّ حتى أخالعكِ وأردّكِ بعد انقضاء اليوم وتتخلَّصي من الضرة والسفر، فإذا فعلتْ أحضرَ الوليَّ والشهود٢ ثم ردَّها.
وهذه الحيلة باطلة؛ فإن المرأة إذا بانت صارت أجنبية منه؛ فلا يجوز نكاحها إلا بإذنها ورضاها، وهي لم تأذن في هذا النكاح الثاني، ولا رضيت به، ولو علمت أنها قد ملكتْ نفسَها وبانت فلعلها لا ترغب في نكاحه، فليس له أن يخدعها على نفسها ويجعلها زوجة له٣ بغير رضاها.