يريد سفرًا ويقول: لا آمنُ الموت وأنا أريد أن أكتب لك هذه الدار أو أجعل لك١ هذا المتاع صداقًا بحيث لا يمكن إبطاله وأريد أن أشهد على ذلك، فاجعلي أمركِ إليَّ حتى أجعله صداقًا؛ فإذا فعلتْ عقد نكاحها على ذلك وتم الأمر.
فإن لم يُرِد السفر فليظهر أنه مريض، ثم يقول لها: أريد أن أجعل لك ذلك، وأخاف أن أُقِرَّ لك به فلا يُقبل؛ فاجعلي أمركِ إليَّ حتى أجعله [١٠٥/أ] صداقًا، فإذا فعلتْ أحضرَ وليَّها وتزوَّجها.
فإن حذِرَت المرأة من ذلك كله ولم يتمكَّن منه لم يبقَ له إلا حيلة واحدة، وهي أن يحلف بطلاقها، أو يقول: قد حلفتُ بطلاقك أني أتزوج عليك في هذا اليوم أو هذا الأسبوع أو أسافر بك، وأنا أريد أن أتمسك بك ولا أُدخل عليك ضرَّةً ولا تسافرين، فاجعلي أمركِ إليَّ حتى أخالعكِ وأردّكِ بعد انقضاء اليوم وتتخلَّصي من الضرة والسفر، فإذا فعلتْ أحضرَ الوليَّ والشهود٢ ثم ردَّها.
وهذه الحيلة باطلة؛ فإن المرأة إذا بانت صارت أجنبية منه؛ فلا يجوز نكاحها إلا بإذنها ورضاها، وهي لم تأذن في هذا النكاح الثاني، ولا رضيت به، ولو علمت أنها قد ملكتْ نفسَها وبانت فلعلها لا ترغب في نكاحه، فليس له أن يخدعها على نفسها ويجعلها زوجة له٣ بغير رضاها.
(١) ك: «كل».
(٢) ز، ك: «الشهود والولي».
(٣) ز: «له زوجة».
فإن قيل: فالنبي١ﷺ قد جعل جِدَّ النكاح كهزله٢، وغاية هذا أنه هازل.
قيل: هذا ليس بصحيح، وليس هذا كالهازل؛ فإن الهازل لم يُظهر أمرًا يريد خلافه، بل تكلم باللفظ قاصدًا أن لا يلزمه مُوجَبُه، وذلك ليس إليه، بل إلى الشارع، وأما هذا فماكر مخادع للمرأة على نفسها، مظهرًا٣ أنها زوجته وأن الزوجية بينهما باقية وهي أجنبية محضة؛ فهو٤ يمكُر بها ويخادعها بإظهار أنها زوجته وهي في الباطن أجنبية؛ فهو كمن يمكُر برجل يخادعه على أخذ ماله بإظهار أنه يحفظه له ويصونه ممن يذهب به، بل هذا أفحش؛ لأن حرمة البُضْع أعظم من حرمة المال، والمخادعة عليه٥ أعظم من المخادعة على المال، والله أعلم.
فصل
ومن الحيل الباطلة الحيلة على وطء مكاتبته بعد عقد الكتابة، قال أرباب الحيل: الحيلة في ذلك أن يهبها لولده الصغير، ثم يتزوجها وهي على مِلك ابنه، ثم يكاتبها لابنه، ثم يطأها بحكم النكاح، فإن أتت بولد كانوا أحرارًا؛ إذ ولده قد ملَكَهم، فإن عجزت عن الكتابة عادت قِنًّا٦ لولده
(١) ز: «النبي». ك: «فإن النبي».
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) كذا في النسخ منصوبًا على أنه حال.
(٤) «فهو» ساقطة من ك.
(٥) «عليه» ساقطة من ك.
(٦) القِنّ: العبد الذي كان أبوه مملوكًا لمواليه، ومثله الأمة.