ومن العجب أنه لو نام في المسجد وأُغلِقت٢ عليه الأبواب ودعَتْه الضرورة إلى الخلاء، فطاقُ القبلةِ ومحرابُ المسجد أولى بذلك من مؤخَّر المسجد!
ومن العجب أمر هذه الحيل التي لا يزداد بها المنهيُّ عنه إلا فسادًا مضاعفًا، كيف تُباح٣ مع تلك المفسدة الزائدة بالمكر والخداع وتحرم بدونها؟ وكيف تنقلب مفاسدها بالحيل صلاحًا، وتصير خمرتُها خلًّا، وخبثها طيبًا؟
قالوا: فهذا فصل٤ في الإشارة إلى بيان فساد هذه الحيل على وجه التفصيل، كما تقدم الإشارة إلى فسادها وتحريمها على وجه الإجمال، ولو تتبعناها حيلةً حيلةً لطال الكتاب، ولكن هذه أمثلة يُحتذَى عليها، والله الموفِّق للصواب.
✽ ✽ ✽
(١) ذكر المؤلف بعض هذه العجائب في «بدائع الفوائد» (٣/ ١٠٥٧ - ١٠٦٠).
(٢) ك: «أو غلقت».
(٣) ك: «تباع»، تحريف.
(٤) ك: «فعل».
فصل
قال أرباب الحيل: قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾[الطلاق: ٢]، والحيل مخارجُ من المضايق.
والجواب إنما يتبين بذكر قاعدة في أقسام الحيل ومراتبها، فنقول: هي أقسام:
القسم الأول: الطرق الخفية التي يتوصل بها إلى ما هو محرم في نفسه، بحيث لا يحلُّ بمثل ذلك السبب بحال، فمتى كان المقصود بها محرمًا في نفسه فهي حرام باتفاق المسلمين، وذلك كالحيل على أخذ أموال الناس وظلمهم في نفوسهم وسَفْك دمائهم وإبطال حقوقهم وإفساد ذات بينهم، وهي من جنس حيل الشياطين على إغواء بني آدم بكل طريق، وهم يتحيلون عليهم ليُوقِعوهم في واحدةٍ من ستة ولا بدَّ:
فيتحيلون عليهم بكل طريق أن يوقعوهم في الكفر والنفاق على اختلاف أنواعه، فإذا عَمِلت حيلهم في ذلك قرَّت عيونهم.
فإن عجزتْ حيلهم عن من صحَّت فطرته وتلاها شاهدُ الإيمان من ربه بالوحي الذي أنزله على رسوله أعملوا الحيلة في إلقائه١ في البدعة على اختلاف أنواعها وقبول القلب [١٠٩/أ] لها وتهيُّؤه واستعداده. فإن تمَّت حيلُهم كان ذلك أحبَّ إليهم من المعصية، وإن كانت كبيرة٢. ثم ينظرون