قال أرباب الحيل: قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾[الطلاق: ٢]، والحيل مخارجُ من المضايق.
والجواب إنما يتبين بذكر قاعدة في أقسام الحيل ومراتبها، فنقول: هي أقسام:
القسم الأول: الطرق الخفية التي يتوصل بها إلى ما هو محرم في نفسه، بحيث لا يحلُّ بمثل ذلك السبب بحال، فمتى كان المقصود بها محرمًا في نفسه فهي حرام باتفاق المسلمين، وذلك كالحيل على أخذ أموال الناس وظلمهم في نفوسهم وسَفْك دمائهم وإبطال حقوقهم وإفساد ذات بينهم، وهي من جنس حيل الشياطين على إغواء بني آدم بكل طريق، وهم يتحيلون عليهم ليُوقِعوهم في واحدةٍ من ستة ولا بدَّ:
فيتحيلون عليهم بكل طريق أن يوقعوهم في الكفر والنفاق على اختلاف أنواعه، فإذا عَمِلت حيلهم في ذلك قرَّت عيونهم.
فإن عجزتْ حيلهم عن من صحَّت فطرته وتلاها شاهدُ الإيمان من ربه بالوحي الذي أنزله على رسوله أعملوا الحيلة في إلقائه١ في البدعة على اختلاف أنواعها وقبول القلب [١٠٩/أ] لها وتهيُّؤه واستعداده. فإن تمَّت حيلُهم كان ذلك أحبَّ إليهم من المعصية، وإن كانت كبيرة٢. ثم ينظرون
(١) ك: «إلقائهم».
(٢) ك: «كثيرة».
في حال من استجاب١ لهم إلى البدعة؛ فإن كان مُطاعًا متبوعًا في الناس أمروه بالزهد والتعبد ومحاسن الأخلاق والشِّيَم، ثم أطاروا له الثناء بين الناس ليصطادوا عليه الجهال ومن لا علم عنده بالسنة، وإن لم يكن كذلك جعلوا بدعته عونًا له على ظلمه أهلَ السنة وأذاهم والنيل منهم، وزيَّنوا٢ له أن هذا انتصارٌ٣ لما هم عليه من الحق.
فإن أعجزتْهم هذه الحيلة ومنَّ الله سبحانه على العبد بتحكيم السنة ومعرفتها والتمييز بينها وبين البدعة ألقَوه في الكبائر، وزيَّنوا له فعلَها بكل طريق، وقالوا له: أنت على السنة، وفُسَّاق أهل السنة أولياء الله، وعُبَّاد أهل البدعة أعداء الله، وقبور فسّاق أهل السنة روضة من رياض الجنة، وقبور عبّاد أهل البدع حفرة من حفر النار٤، والتمسك بالسنة يكفِّر الكبائر، كما أن مخالفة السنة تُحبِط الحسنات، وأهل السنة إن قعدتْ بهم أعمالهم قامت بهم عقائدهم، وأهل البدع إذا قامت بهم أعمالهم قعدتْ بهم عقائدهم، وأهل السنة هم الذين أحسنوا الظن بربهم إذ وصفوه بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ووصفوه بكل كمال وجلال ونزَّهوه عن كل نقص، والله تعالى عند ظنِّ عبده به، وأهل البدع هم الذين يظنون بربهم ظنَّ السَّوء؛ إذ يعطِّلونه عن صفات كماله وينزِّهونه عنها، وإذا عطَّلوه عنها لزم اتصافه بأضدادها ضرورة؛ ولهذا قال الله تعالى في حق من أنكر صفة واحدة من صفاته وهي صفة العلم ببعض
(١) ز: «المستجاب». ك: «المستحبات». والمثبت من المطبوع.