فإن سحر البيان هو من أنواع التحيُّل: إما لكونه بلغ في اللطف والحسن إلى حدِّ استمالة القلوب فأشبهَ السحر من هذا الوجه، وإما لكون القادر على البيان يكون قادرًا على تحسين القبيح وتقبيح الحسن فهو أيضًا يُشبه السحر من هذا الوجه أيضًا.
وكذلك سحر الوهم أيضًا هو حيلة وهمية، والواقع شاهد بتأثير الوهم والإيهام، ألا ترى أن الخشبة التي يتمكّن الإنسان من المشي عليها إذا كانت قريبة من الأرض لا يتمكّن من المشي عليها إذا كانت على مَهواةٍ١ بعيدة القعر؟ والأطباء تنهى صاحب الرُّعاف عن النظر إلى الشيء الأحمر، وتنهى المصروع عن النظر إلى الأشياء القوية اللمعان أو الدوران، فإن النفوس خلقت مَطِيّة٢ الأوهام، والطبيعة نقَّالة، والأحوال الجسمانية تابعة للأحوال النفسانية.
وكذلك السحر بالاستعانة بالأرواح الخبيثة إنما هو بالتحيل على استخدامها بالإشراك بها والاتصاف بهيئاتها الخبيثة؛ ولهذا لا يعمل السحر إلا مع الأنفس الخبيثة المناسبة لتلك الأرواح، [١١٠/أ] وكلما كانت النفس أخبثَ كان سحرها أقوى، وكذلك سحر التمزيجات ــ وهو أقوى ما يكون من السحر ــ أن يمزج بين٣ القوى النفسانية الخبيثة الفعالة والقوى الطبيعية المنفعلة.
(١) ك: «مهراة»، تحريف.
(٢) في النسختين ز، ك: «بطيه». ولعل الصواب ما أثبت.
(٣) «بين» ليست في ك.
والمقصود أن السحر من أعظم أنواع الحيل التي ينال بها الساحر غرضه، وحيل الساحر من أضعف١ الحيل وأقواها، ولكن لا تؤثّر تأثيرًا مستقرًّا إلا في الأنفس البطَّالة المنفعلة للشهوات، الضعيفةِ تعلُّقُها بفاطر الأرض والسموات، المنقطعةِ عن التوجه إليه والإقبال عليه؛ فهذه النفوس محلُّ تأثير السحر.
وكحيل أرباب الملاهي والطرب على استمالة النفوس إلى محبة الصور والوصول إلى الالتذاذ بها؛ فحيلة السماع الشيطاني على ذلك من أدنى الحيل عليه، حتى قيل: أول ما وقع الزنا في العالم فإنما كان بحيلة اليَراع والغناء، لما أراد الشيطان ذلك لم يجد عليه حيلة أدنى من الملاهي.
وكحيل اللصوص٢ والسُّرَّاق على أخذ أموال الناس، وهم أنواع لا تُحصى: فمنهم السُّراق بأيديهم، ومنهم السُّراق بأقلامهم، ومنهم السُّراق بأماناتهم، ومنهم السُّراق بما يُظهِرونه من الدين والفقر والصلاح والزهد وهم في الباطن بخلافه، ومنهم السُّراق بمكرهم وخداعهم وغِشِّهم. وبالجملة فحيل هذا الضرب من الناس من أكثر الحيل، وتليها حيل عُشّاق الصور على الوصول٣ إلى أغراضهم فإنها تقع في الغالب خفيةً، وإنما تتمُّ غالبًا على النفوس القابلة المنفعلة الشهوانية.
وكحيل التتار التي ملكوا بها البلاد وقهروا بها العباد وسفكوا بها الدماء واستباحوا بها الأموال.