والمقصود أن السحر من أعظم أنواع الحيل التي ينال بها الساحر غرضه، وحيل الساحر من أضعف١ الحيل وأقواها، ولكن لا تؤثّر تأثيرًا مستقرًّا إلا في الأنفس البطَّالة المنفعلة للشهوات، الضعيفةِ تعلُّقُها بفاطر الأرض والسموات، المنقطعةِ عن التوجه إليه والإقبال عليه؛ فهذه النفوس محلُّ تأثير السحر.
وكحيل أرباب الملاهي والطرب على استمالة النفوس إلى محبة الصور والوصول إلى الالتذاذ بها؛ فحيلة السماع الشيطاني على ذلك من أدنى الحيل عليه، حتى قيل: أول ما وقع الزنا في العالم فإنما كان بحيلة اليَراع والغناء، لما أراد الشيطان ذلك لم يجد عليه حيلة أدنى من الملاهي.
وكحيل اللصوص٢ والسُّرَّاق على أخذ أموال الناس، وهم أنواع لا تُحصى: فمنهم السُّراق بأيديهم، ومنهم السُّراق بأقلامهم، ومنهم السُّراق بأماناتهم، ومنهم السُّراق بما يُظهِرونه من الدين والفقر والصلاح والزهد وهم في الباطن بخلافه، ومنهم السُّراق بمكرهم وخداعهم وغِشِّهم. وبالجملة فحيل هذا الضرب من الناس من أكثر الحيل، وتليها حيل عُشّاق الصور على الوصول٣ إلى أغراضهم فإنها تقع في الغالب خفيةً، وإنما تتمُّ غالبًا على النفوس القابلة المنفعلة الشهوانية.
وكحيل التتار التي ملكوا بها البلاد وقهروا بها العباد وسفكوا بها الدماء واستباحوا بها الأموال.
(١) «الحيل التي ... أضعف» ساقطة من ك.
(٢) ك: «والحيل والنصوص»، تحريف.
(٣) ك: «الصول»، خطأ.
وكحيل اليهود وإخوانهم من الرافضة فإنهم بيت المكر والاحتيال، ولهذا ضُرِبت على الطائفتين الذلةُ، وهذه سنة الله في كل مخادعٍ محتال بالباطل.
ثم أرباب هذه الحيل نوعان: نوع يَقصد به حصول مقصوده، ولا يُظهِر أنه حلال، كحيل اللصوص وعُشّاق الصور المحرمة ونحوهما، ونوع يُظهِر صاحبه أن مقصوده خير وصلاح ويُبطِن خلافه.
وأرباب النوع الأول أسلمُ عاقبةً من هؤلاء؛ فإنهم أَتوا البيوتَ من أبوابها والأمرَ من طريقه ووجهه، وأما هؤلاء فقلَبوا موضوع الشرع والدين، ولما كان أرباب هذا النوع إنما يباشرون الأسباب الجائزة ولا يُظهِرون مقاصدهم أَعضلَ١ أمرُهم، وعظُم الخَطْب بهم، وصعُب الاحتراز منهم، وعزَّ على العالم استنقاذُ قتلاهم، فاستُبيحت بحيلهم الفروج، وأُخذت بها الأموال من أربابها فأُعطِيت لغير أهلها، وعُطِّلت بها الواجبات، وضُيِّعت بها الحقوق، وعَجَّت الفروج والأموال والحقوق إلى ربها عجيجًا، وضجَّت مما حلّ بها إليه ضجيجًا.
ولا يختلف المسلمون أن تعليم هذه الحيل حرام، والإفتاء بها حرام، والشهادة على مضمونها حرام، والحكم بها مع العلم بحالها حرام، والذين جوَّزوا منها ما جوَّزوه من الأئمة لا يجوز أن يُظَنّ بهم أنهم جوَّزوه على وجه الحيلة إلى المحرّم، وإنما [١١٠/ب] جوَّزوا صورة ذلك الفعل. ثم إن المتحيل المخادع المكَّار أخذ صورة ما أفتوا به فتوسَّل به إلى ما مَنعوا منه، وركَّب ذلك