المتحيل سُلَّمًا وطريقًا إلى الحرام، وهذا مُعترك الكلام في هذا الباب، وهو الذي [١١١/أ] قصدنا الكلام فيه بالقصد الأول.
القسم الثاني١: أن يُقصد بالحيلة أخذُ حقٍّ أو دفعُ باطلٍ، وهذا القسم ينقسم إلى ثلاثة أقسام أيضًا:
أحدها: أن يكون الطريق محرّمًا في نفسه، وإن كان المقصود به حقًّا:
مثل أن يكون له على رجلٍ حقٌّ فيجحده، ولا بيِّنةَ له، فيقيم صاحبه شاهدَيْ زورٍ يشهدانِ به، ولا يعلمان ثبوت ذلك الحق.
ومثل أن يطلّق الرجل امرأته ثلاثًا، ويجحد الطلاق، ولا بينةَ لها، فتقيم شاهدينِ يشهدان أنه طلَّقها، ولم يسمعا الطلاق منه.
ومثل أن يكون له على رجلٍ دينٌ، وله عنده وديعة، فيجحد الوديعة، فيجحد هو الدين، أو بالعكس، ويحلف ما له عندي حق، أو ما أودعني شيئًا، وإن كان يُجيز هذا من يُجيز مسألة الظفر.
ومثل أن تدَّعي عليه المرأة كسوة٢ أو نفقة ماضية كذبًا وباطلًا، فيُنكر أن تكون مكَّنتْه من نفسها أو سلَّمتْ نفسها إليه، أو يقيم شاهدَيْ زورٍ أنها
(١) في النسخ الخطية والمطبوعة: «القسم الرابع». والصواب ما أثبت، فقد تحدَّث المؤلف عن القسم الأول من الحيل من بداية الفصل إلى هاهنا، وهو ما يُقصَد به إبطال حق وإثبات باطل، وقد قسمه المؤلف إلى ثلاثة أقسام كما رأينا. ويبدأ من هنا الكلام على القسم الثاني من الحيل، وهو ما يُقصَد به أخذُ حقّ أو دفعُ باطل، كما صرَّح به المؤلف، وقد قسَّمه أيضًا إلى ثلاثة أقسام، وفصَّل الكلام عليها.
(٢) ك: «المرأة عليه كسوتها».
كانت ناشزًا؛ فلا نفقة لها ولا كسوة.
ومثل أن يقتل رجلٌ وليَّه، فيقيم شاهدَيْ زور ولم يشهدا القتل فيشهدا أنه قتله.
ومثل أن يموت موروثه فيقيم شاهدَيْ زور أنه مات وأنه وارثُه، وهما لا يعلمان ذلك.
ونظائره ممن له حقٌّ لا شاهدَ له به، فيقيم شاهدَ زورٍ يشهد له به؛ فهذا يأثم على الوسيلة دون المقصود. وفي مثل هذا جاء الحديث: «أدِّ الأمانةَ إلى مَن ائتمنَك، ولا تَخُنْ مَن خانَك»١.
فصل
القسم الثاني: أن تكون الطريق مشروعة، وما يُفضي إليه مشروع، وهذه هي الأسباب التي نصبها الشارع مفضيةً إلى مسبباتها، كالبيع والإجارة والمساقاة والمزارعة والوكالة، بل الأسباب محلُّ حكمة٢ الله ورسوله، وهي في اقتضائها لمسبباتها شرعًا على وِزانِ الأسباب الحسية في اقتضائها لمسبباتها قدرًا؛ فهذا شرع الرب تعالى وذلك قَدَرُه، وهما خَلْقه وأمره، والله
(١) رواه أبو داود (٣٥٣٥) والترمذي (١٢٦٤) من حديث أبي هريرة، وقال الترمذي: حسن غريب. وضعَّفه الشافعي وأحمد وأبو حاتم وابن حزم والبيهقي وابن الجوزي. وله شواهد لا تخلوا من مقال. انظر: «البدر المنير» (٧/ ٢٩٧ - ٣٠١) و«التلخيص الحبير» (٣/ ٩٧). وحسّنه الذهبي في «تلخيص العلل» (١٩٧) والمؤلف في «إغاثة اللهفان» (٢/ ١٠١) والسخاوي في «المقاصد الحسنه» (٤٨). وانظر: «السلسلة الصحيحة» (٤٢٣).