وكذلك إن مات المستأجر فجحد ورثته الإجارة، وادَّعَوا أن الدار لهم، نفعَ ربَّ الدار كفالةُ الورثة وضمانُهم ردَّ الدارِ إلى المُؤجِر. فإن خاف المُؤجِر [١١٢/أ] إفلاس المستأجر وعدم تمكُّنه قبضَ الأجرة؛ فالحيلة أن يأخذ منه كفيلًا بأجرة ما سكن أبدًا، ويسمي أجرة كل شهر للضمين، ويشهد عليه بضمانه.
المثال الثالث: أن يأذن رب الدار للمستأجر أن يكون في الدار ما يحتاج إليه أو يعلف الدابة بقدر حاجتها، وخاف أن لا يحتسب له ذلك من الأجرة؛ فالحيلة في اعتداده به عليه١ أن يقدِّر ما يحتاج إليه الدار أو الدابة، ويسمِّي له قدرًا معلومًا، ويحسبه من الأجرة، ويُشهِد على المُؤجِر أنه قد وكَّله في صرف ذلك القدر فيما تحتاج إليه الدار أو الدابة.
فإن قيل: فهل تجوِّزون لمن له دَين على رجل أن يوكّله في المضاربة به أو الصدقة به أو إبراء نفسه منه أو أن٢ يشتري له شيئًا، ويبرأ المَدِين إذا فعل ذلك؟
قيل: هذا مما اختُلِف فيه، وفي صورة المضاربة بالدين قولان في مذهب الإمام أحمد:
أحدهما: أنه لا يجوز ذلك، وهو المشهور؛ لأنه يتضمن قبض الإنسان من نفسه وإبراءه لنفسه من دَين الغريم بفعل نفسه؛ لأنه متى٣ أخرج الدين
(١) ك: «باعتداده عليه».
(٢) ك: «وأن».
(٣) ك: «من»، تحريف.
وضارب به فقد صار المال أمانةً وبرئ منه؛ وكذلك إذا اشترى به شيئًا أو تصدَّق به.
والقول الثاني: أنه يجوز، وهو الراجح في الدليل، وليس في الأدلة الشرعية ما يمنع من جواز ذلك، ولا يقتضي تجويزه مخالفةَ قاعدةٍ من قواعد الشرع، ولا وقوعًا في محظور من ربا ولا قِمار ولا بيعِ غرر، ولا مفسدةَ في ذلك بوجهٍ ما؛ فلا يليق بمحاسن الشريعة المنعُ منه، وتجويزه من محاسنها ومقتضاها.
وقولهم: «إنه يتضمن إبراء الإنسان لنفسه بفعل نفسه» كلام فيه إجمال يوهم أنه هو المستقلُّ بإبراء نفسه، وبالفعل الذي به يبرأ، وهذا إيهام؛ فإنه إنما برِئَ بما أذن له ربُّ الدين من مباشرة الفعل الذي تضمن١ براءته من الدين، فأيُّ محذورٍ في أن يفعل فعلًا أذن له فيه رب الدين، ومستحقه يتضمن براءته؟ وكيف يُنكَر أن يقع في الأحكام الضمنية التبعية٢ ما لا يقع مثله في المتبوعات٣، ونظائر ذلك أكثر من أن تُذكر؟ حتى لو وكّله أو أذن له أن يُبرِئ نفسه من الدين جاز وملك ذلك، كما لو وكّل المرأةَ أن تطلِّق نفسها؛ فأيُّ فرق بين أن يقول طلِّقي نفسك إن شئت، أو يقول لغريمه: أبرِئْ نفسَك إن شئت؟ وقد قالوا: لو أذن لعبده في التكفير بالمال ملك ذلك على الصحيح، فلو أذن له في الإعتاق ملَكَه، فلو أعتق نفسَه صح على أحد القولين، والقول الآخر لا يصح لمانع آخر، وهو أن الولاء للمُعتِق،
(١) ك: «يتضمن».
(٢) في النسختين: «النفعية». والمثبت من النسخ المطبوعة.