والعبد ليس من أهل الولاء، نعم المحذورُ أن يملك إبراء نفسه من الدين بغير رضا ربه وبغير إذنه؛ فهذا هو المخالف لقواعد الشرع.
فإن قيل: فالدين لا يتعين، بل هو مطلق كلي ثابت في الذمة، فإذا أخرج مالًا فاشترى به أو تصدَّق به١ لم يتعين أن يكون هو الدين، ورب الدين لم يعينه، فهو باقٍ على إطلاقه.
قيل: هو في الذمة مطلق، وكل فردٍ من أفراده طابقَه صح أن يعيَّن عنه ويُجزِئ، وهذا كإيجاب الرب ﷾ الرقبةَ المطلقة في الكفارة فإنها غير [١١٢/ب] معينة، ولكن أيّ رقبة عيَّنها المكلَّف وكانت مطابقة لذلك المطلق تأدَّى بها الواجب. ونظيره هاهنا أن أي فردٍ عيَّنه وكان مطابقًا لما في الذمة تعيَّن وتأدَّى به الواجب. وهذا كما يتعين عند الأداء إلى ربه، وكما يتعين عند التوكيل في قبضه؛ فهكذا يتعين عند توكيله٢ لمن هو في ذمته أن يعيِّنه ثم يضارِب٣ به أو يتصدق أو يشتري به شيئًا. وهذا محض الفقه وموجب القياس، وإلا فما الفرق بين تعيينه إذا وكَّل الغير٤ في قبضه والشِّرَى٥ أو التصدُّق به وبين تعيينه إذا وكَّل من هو في ذمته أن يعينه ويضارب أو يتصدق به؟ وهل تحتَ٦ التفريقِ فقهٌ أو مصلحة لهما أو
(١) «به» ليست في ز.
(٢) في النسختين: «توكله».
(٣) ك: «ضارب».
(٤) ك: «العين».
(٥) كذا في النسختين مقصورًا، ولا غبار عليه.
(٦) في المطبوع: «يوجب»، تحريف.
لأحدهما أو حكمةٌ للشارع فتجبُ مراعاتها؟
فإن قيل: فجوِّزوا على هذا أن يقول له: اجعل الدين الذي عليك رأسَ مال السلم١ في كذا وكذا.
قيل: شرط صحة النقض أمران؛ أحدهما: أن تكون الصورة التي نُقِض بها مساويةً لسائر الصور في المعنى الموجب للحكم. الثاني: أن يكون الحكم فيها معلومًا بنص أو إجماع. وكلا الأمرين منتفٍ هاهنا، فلا إجماع معلوم في المسألة وإن كان قد حُكِي، وليست مما نحن فيه؛ فإن المانع من جوازها رأى أنها من باب بيع الدين بالدين، بخلاف ما نحن فيه، والمجوِّز لها يقول: ليس عن الشارع نصٌّ عام في المنع من بيع الدين بالدين، وغاية ما ورد فيه حديث وفيه ما فيه: أنه «نهى عن بيع الكالئ بالكالئ»٢، والكالئ: هو المؤخَّر، وهذا كما إذا كان رأس مال السلم دينًا في ذمة المسلم، فهذا هو الممنوع منه بالاتفاق؛ لأنه يتضمن شَغْل الذمتين بغير مصلحة لهما، وأما إذا كان الدين في ذمة المسلم إليه فاشترى به شيئًا في ذمته فقد سقط الدين من ذمته وخلفه دين آخر واجب، فهذا من باب بيع الساقط بالواجب، فيجوز كما يجوز بيع الساقط بالساقط في باب المقاصَّة. فإن بنى المستأجر أو أنفق على
(١) ك: «سلم».
(٢) رواه عبد الرزاق (١٤٤٤٠) وابن أبي شيبة (٢٢٥٦٦) والدارقطني (٣٠٦٠، ٣٠٦١) والحاكم (٢/ ٦٥) من حديث ابن عمر، وضعّفه البيهقي (٥/ ٢٩٠) والنووي في «المجموع» (٩/ ٣٩٩) وابن تيمية في «تفسير آيات أشكلت» (٢/ ٦٣٧) وابن عبد الهادي في «رسالة لطيفة» (٢٢) والذهبي في «تلخيص العلل» (٢٠٠) وابن حجر في «بلوغ المرام» (٢٤٧) وغيرهم. وقال الدارقطني عقيب (٣٠٦١): قال اللغويون: هو النسيئة بالنسيئة.