بعد المدة، فالحيلة في أمنه من ذلك أن يقول: متى حبستَها بعد انقضاء المدة فأُجرتها كلَّ يومٍ كذا وكذا، فإنه يخاف من حبسها أن يلزمه بذلك.
المثال الرابع: لا يجوز استئجار الشمع ليُشعِله، لذهاب عين المستأجر، والحيلة في تجويز هذا العقد أن يبيعه من الشمعة أَواقيَّ معلومةً، ثم يُؤجِره إياها، فإن كان الذي أشعل منها ذلك القدر، وإلا احتسب له بما أذهبه منها. وأحسنُ من هذه الحيلة أن يقول: بعتك من هذه الشمعة كلَّ أوقيةٍ بدرهم، قلَّ المأخوذ منها أو كثر. وهذا جائز على أحد القولين في مذهب الإمام أحمد، اختاره شيخنا، وهو الصواب المقطوع به، وهو مخرَّجٌ على نص الإمام أحمد في جواز إجارة الدار كل شهر بدرهم، وقد آجَر عليٌّ ﵁ نفسَه كلّ دلوٍ بتمرة١. ولا محذورَ في هذا أصلًا، ولا يُفضي إلى تنازع ولا تشاحنٍ، بل عمل الناس في أكثر بياعاتهم عليه، ولا يضرُّ جهالة كمية المعقود عليه عند البيع؛ لأن الجهالة المانعة من صحة العقد هي التي تؤدِّي إلى القِمار والغرر، ولا يدري العاقد على أي شيء يدخل، وهذه لا تؤدِّي إلى شيء من ذلك، بل إن أراد قليلًا أخذ والبائع راضٍ، وإن أراد كثيرًا أخذ والبائع راضٍ، والشريعة لا تحرِّم مثل هذا ولا تمنع منه، بل هي أسمحُ من ذلك وأحكمُ.
(١) رواه أحمد (٦٨٧) والترمذي (٢٤٧٣) وابن ماجه (٢٤٤٦، ٢٤٤٧) من طرق عن علي، وفي كلها ضعف، وقد ضعَّف الحديث وبين علل الطرق الألباني في «الإرواء» (٣١٣).
فإن قيل: لكن في العقد على هذا الوجه محذوران؛ أحدهما: تضمُّنه للجمع بين البيع والإجارة. الثاني: أن مورد عقد الإجارة يذهب عينه أو بعضه بالإشعال.
قيل: لا محذورَ في الجمع بين عقدين كل منهما جائز بمفرده، كما لو باعه سلعةً وآجرَه داره شهرًا بمائة درهم. وأما ذهاب المستأجر١ بالانتفاع فإنما٢ لم يجز؛ لأنه لم يتعوّض٣ عنه المُؤجِر، وعقد الإجارة يقتضي ردَّ العين بعد الانتفاع، وأما هذا العقد فهو عقد بيع يقتضي ضمانَ المُتلَف بثمنه الذي قدّر له وأجرة انتفاعه بالعين قبل الإتلاف، فالأجرة٤ في مقابلة انتفاعه بها مدة بقائها، والثمن في مقابلة ما أذهب منها. فدَعُونا من تقليد آراء الرجال، ما الذي حرّم هذا؟ وأين في كتاب الله وسنة رسوله أو قول الصحابة أو القياس الصحيح الذي يكون فيه الفرع٥ مساويًا للأصل ويكون حكم الأصل ثابتًا بالكتاب أو السنة أو الإجماع؟ وليس كلامنا في هذا الكتاب مع المقلّد المتعصّب المقرّ على نفسه بما شهد عليه به جميع أهل العلم أنه ليس من جملتهم، فذاك وما اختار لنفسه، وبالله التوفيق.
المثال الخامس: أن تشترط المرأة دارها أو بلدها أو أن لا يتزوَّج عليها، ولا يكون هناك [١١٣/ب] حاكم يصحِّح هذا الشرط، أو تخاف أن يرفعها