فإن قيل: لكن في العقد على هذا الوجه محذوران؛ أحدهما: تضمُّنه للجمع بين البيع والإجارة. الثاني: أن مورد عقد الإجارة يذهب عينه أو بعضه بالإشعال.
قيل: لا محذورَ في الجمع بين عقدين كل منهما جائز بمفرده، كما لو باعه سلعةً وآجرَه داره شهرًا بمائة درهم. وأما ذهاب المستأجر١ بالانتفاع فإنما٢ لم يجز؛ لأنه لم يتعوّض٣ عنه المُؤجِر، وعقد الإجارة يقتضي ردَّ العين بعد الانتفاع، وأما هذا العقد فهو عقد بيع يقتضي ضمانَ المُتلَف بثمنه الذي قدّر له وأجرة انتفاعه بالعين قبل الإتلاف، فالأجرة٤ في مقابلة انتفاعه بها مدة بقائها، والثمن في مقابلة ما أذهب منها. فدَعُونا من تقليد آراء الرجال، ما الذي حرّم هذا؟ وأين في كتاب الله وسنة رسوله أو قول الصحابة أو القياس الصحيح الذي يكون فيه الفرع٥ مساويًا للأصل ويكون حكم الأصل ثابتًا بالكتاب أو السنة أو الإجماع؟ وليس كلامنا في هذا الكتاب مع المقلّد المتعصّب المقرّ على نفسه بما شهد عليه به جميع أهل العلم أنه ليس من جملتهم، فذاك وما اختار لنفسه، وبالله التوفيق.
المثال الخامس: أن تشترط المرأة دارها أو بلدها أو أن لا يتزوَّج عليها، ولا يكون هناك [١١٣/ب] حاكم يصحِّح هذا الشرط، أو تخاف أن يرفعها
(١) ك: «ذهاب اجزاء المستأجر».
(٢) ك: «قايمًا»، تصحيف.
(٣) ك: «لم يتعرض».
(٤) في النسختين: «بالأجرة». والمثبت من المطبوعات.
(٥) ك: «الفرع فيه».
إلى حاكم يُبطِله، فالحيلة في١ تصحيحه أن تُلزِمه عند العقد بأن يقول: «إن تزوجتُ عليكِ امرأة فهي طالق». فهذا الشرط يصح وإن قلنا: «لا يصح تعليق الطلاق بالنكاح»، نص عليه أحمد؛ لأن هذا الشرط لما وجب الوفاء به من منع التزويج بحيث لو تزوَّج فلها الخيار بين المُقام معه ومفارقته جاز اشتراط طلاق من يتزوَّجها عليها٢، كما جاز اشتراط عدم نكاحها.
فإن لم تتمَّ لها هذه الحيلة فلتأخذ شرطه أنه إن تزوَّج عليها فأمرُها بيدها، أو أمرُ الضرَّة بيدها، ويصح تعليق ذلك٣ بالشرط؛ لأنه توكيل على الصحيح، ويصح تعليق الوكالة على الشرط على الصحيح من قولَي العلماء، وهو قول الجمهور ومالك وأبي حنيفة وأحمد ﵃، كما يصح تعليق الولاية على الشرط بالسنة الصحيحة الصريحة.
ولو قيل: «لا يصح تعليق الوكالة بالشرط» لصحَّ تعليق هذا التوكيل الخاص؛ لأنه يتضمن الإسقاط، فهو كتعليق الطلاق والعتق بالشرط، ولا ينتقض هذا بالبراءة فإنه يصح تعليقها بالشرط، وقد فعله الإمام أحمد، وأصوله تقتضي صحته، وليس عنه نص بالمنع. ولو سُلِّم أنه تمليك لم يمنع تعليقه بالشرط كما تعلّق الوصية وأولى؛ فإن الوصية تمليك مال وهذا ليس كذلك.
فإن لم تتمَّ لها هذه الحيلة فلتتزوَّجْه على مهر مسمًّى على أنه إن أخرجها من دارها فلها مهر مثلها وهو أضعاف ذلك المسمَّى، ويُقرّ الزوج
(١) «في» ليست في ك.
(٢) «عليها» ليست في ز.
(٣) في النسختين: «بذلك». والمثبت من النسخ المطبوعة.