فإن تفقَّهت عليه الزوجة وقالت: قل١: «كل رقيقة أو أمة» فليقلْ ذلك وليعْنِ: فهي حرَّة الخصالِ غير فاجرة، فإنه لو قال ذلك لم تعتق، كما لو قال له رجل: «غلامك فاجر زانٍ»، فقال: ما أعرفه إلا حرًّا عفيفًا، ولم يُرِد العتق= لم يعتق.
وإن تفقّهت عليه وقالت: قل: «فهي [١١٤/أ] عتيقة» فليقل ذلك ولينْوِ ضدَّ الجديدة، أي عتيقة في الرقّ.
فإن تفقّهت وقالت: قل: «فهي معتوقة» أو٢ «قد أعتقتُها إن ملكتُها» فليردَّ الكناية٣ إلى حصاةٍ بيده أو خرقة، فإن لم تَدَعْه أن يمسك شيئًا فليردَّها إلى نفسه، ويعني أن قد أعتقتُها من النار بالإسلام، أو فهي حرة ليست رقيقة لأحد، ويجعل الكلام جملتين.
فإن حَصَرتْه وقالت: قل: «فالجارية التي أشتريها٤ معتوقة» فليقيِّد ذلك بزمن معين، أو مكان معين في نيته، ولا يحنَث بغيره.
فإن حَصَرتْه وقالت: «من غير تورية ولا كناية ولا نيةٍ تخالف قولي»، فهذا آخر الشدّ، فلا يمنعه ذلك من التورية والكناية. وإن قال بلسانه: «لا أورِّي٥ ولا أَكْني» والتورية والكناية في قلبه، كما لو قال: «لا أستثني» بلسانه ومِن نيته الاستثناء، ثم استثنى= فإنه ينفعه، حتى لو لم ينوِ الاستثناء ثم
(١) في النسختين: «بل». والمثبت من المطبوعات.
(٢) ك: «و».
(٣) ك: «الكتابة»، تصحيف.
(٤) ك: «اشتريتها».
(٥) ك: «لا أروي».
عزم عليه واستثنى نفَعَه ذلك بالسنة الصحيحة الصريحة التي لا معارضَ لها بوجهٍ في غير حديث، كقول الملَك لسليمان: «قل إن شاء الله»١، وقول النبي ﷺ: «إلّا الإذْخِر» بعد أن ذكَّره به العباس٢، وقوله: «إن شاء الله» بعد أن قال: «لأغزونَّ قريشًا»، ثلاث مرات، ثم قال بعد الثالثة وسكوته: «إن شاء الله»٣.
والقرآن صريح في نفع الاستثناء إذا نسيه ولم ينْوِه في أول كلامه ولا أثنائه في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا ٢٣ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾[الكهف: ٢٣ - ٢٤]، وهذا إما أن يختصّ بالاستثناء إذا نسيه كما فسَّره به جمهور المفسرين، أو يعمّه ويعمّ غيرَه وهو الصواب؛ فأما أن يُخرج منه الاستثناء الذي سِيق٤ الكلام لأجله ويُردّ إلى غيره فلا يجوز، ولأن الكلام الواحد لا يعتبر في صحته نية كل جملة من جمله وبعضٍ من أبعاضه؛ فالنص والقياس يقتضي نفعَ الاستثناء، وإن خطر له بعد انقضاء الكلام، وهذا هو الصواب المقطوع به.
(١) رواه البخاري (٥٢٤٢، ٦٧٢٠) ومسلم (١٦٥٤) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) رواه البخاري (١٣٤٩) ومسلم (١٣٥٣) من حديث ابن عباس ﵄.
(٣) رواه أبو يعلى (٢٦٧٤) وابن حبان (٤٣٤٣) والطحاوي في «مشكل الآثار» (٥/ ١٨٦) من طريق سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس موصولًا، وأخرجه أبو داود (٣٢٨٦) وعبد الرزاق (١١٣٠٦، ١٦١٢٣) والبيهقي (١٠/ ٤٨) عن عكرمة مرسلًا، ورجح الإرسال أبو حاتم في «العلل» (١/ ٤٤٠) وابن عدي في «الكامل» (٣/ ١٧٩) وابن حجر في «الدراية» (٢/ ٩٣).