المثال السابع: لا تصح إجارة الأرض المشغولة بالزرع، فإن أراد ذلك فله حيلتان جائزتان، إحداهما: أن يبيعه الزرعَ ثم يُؤجِره الأرضَ، فتكون الأرض مشغولة بملك المستأجر، فلا يقدح في صحة الإجارة. فإن لم يتمكّن من هذه الحيلة لكون الزرع لم يشتدَّ أو كان زرعًا للغير انتقل إلى الحيلة الثانية، وهي أن يُؤجِره إياها لمدة تكون بعد أخذ الزرع، ويصح هذا بناء على صحة الإجارة المضافة.
المثال الثامن: لا تصح إجارة الأرض على أن يقوم المستأجر بالخراج مع الأجرة، أو يكون قيامه به هو أجرتها، ذكره القاضي؛ لأن الخراج مُؤنةٌ تَلزم المالكَ بسبب تمكُّنه من الانتفاع؛ فلا يجوز نقله إلى المستأجر.
والحيلة في جوازه أن يسمِّي مقدار الخراج، ويضيفه إلى الأجرة١ ــ قلت: ولا يمتنع أن يُؤجِره الأرضَ بما عليها من الخراج إذا كان مقدَّرًا معلومًا لا جهالة فيه ــ فيقول: آجرتُكَها بخراجها تقوم به عنّي، فلا محذورَ في ذلك، ولا جهالةَ، ولا غررَ٢، وأيُّ فرقٍ بين أن يقول آجرتُك كل سنة بمائة أو بالمائة [١١٤/ب] التي عليها كل سنة خراجًا؟
فإن قيل: الأجرة تُدفع إلى المُؤجِر والخراج إلى السلطان.
قيل: بل تُدفع الأجرة إلى المُؤجِر أو إلى من أذن له بالدفع إليه، فيصير وكيله في الدفع.
المثال التاسع: لا يصح أن يستأجر الدابة بعَلَفها؛ لأنه مجهول. والحيلة
(١) ك: «الآخر»، تصحيف.
(٢) ك: «ولا غرور».
في جوازه أن يسمِّي ما يعلم أنها تحتاج إليه من العلف فيجعله أجرة، ثم يوكّله١ في إنفاق ذلك عليها.
وهذه الحيلة غير محتاج إليها على أصلنا؛ فإنا نجوِّز أن يستأجر الظِّئر بطعامها وكسوتها والأجير بطعامه وكسوته، فكذلك إجارة الدابة بعلفها وسَقْيها.
فإن قيل: عَلَف الدابة على مالكها، فإذا شرطه على المستأجر فقد شرط ما ينافي مقتضى العقد، فأشبهَ ما لو شرط في عقد النكاح أن تكون نفقة الزوجة على نفسها.
قيل: هذا من أفسد القياس؛ لأن العلف قد جُعل في مقابلة الانتفاع، فهو نفسه أجرة مغتفرة جهالتها اليسيرة للحاجة، بل الحاجة إلى ذلك أعظم من حاجة استئجار الأجير بطعامه وكسوته؛ إذ يمكن الأجيرَ أن يشتري له بالأجرة ذلك، فأما الدابة فإن كُلِّف ربّها أن يصحبها ليعلفها شقَّ عليه ذلك، فتدعو الحاجة إلى قيام المستأجر عليها، ولا يُظنّ به تفريطُه في علفها لحاجته إلى ظهرها، فهو يعلفها لحاجته وإن لم يمكنها مخاصمته.
المثال العاشر: إذا أراد أن يستأجر دارًا أو حانوتًا، ولا يدري مدة مقامه، فإن استأجره سنة فقد يحتاج إلى التحوُّل قبلها.
فالحيلة أن يستأجر كلَّ شهر بكذا وكذا، فتصح الإجارة وتلزم في الشهر الأول، وتصير جائزة فيما بعده من الشهور، فلكل واحد منهما الفسخُ عقيبَ كل شهر إلى تمام يوم. وهذا قول أبي حنيفة. وقال الشافعي: الإجارة فاسدة،