[وقال في رواية أبي الحارث: ما نصنع بالرأي والقياس، وفي الحديث ما يغنيك؟ وقال في رواية عبد الملك الميموني: يجتنب المتكلم في الفقه هذين الأصلين: المجمل والقياس٢]٣.
فهذه الأصول الخمسة من أصول فتاويه، وعليها مدارها. وقد يتوقَّف في الفتوى لتعارُض الأدلّة عنده، أو لاختلاف الصحابة فيها، أو لعدم اطلاعه فيها على أثر أو قول أحدٍ من الصحابة والتابعين. وكان شديد الكراهة والمنع للإفتاء بمسألة ليس فيها أثر عن السلف، كما قال لبعض أصحابه٤: إياك أن تتكلَّم في مسألةٍ ليس لك فيها إمام.
وكان يسوِّغ استفتاءَ فقهاء الحديث وأصحاب مالك، ويدلُّ عليهم؛ ويمنع من استفتاء من يُعرض عن الحديث، ولا يبني مذهبه عليه؛ ولا يسوِّغ العمل بفتواه.
قال ابن هانئ٥: سألتُ أبا عبد الله عن الذي جاء في الحديث:
(١) سيذكره المؤلف مرة ثانية، وثالثة عن "المدخل" (ص ٢٠٤) للبيهقي الذي نقله من رواية الميموني. وانظر: "العدة" (٤/ ١٣٣٦) و"رسالة الشافعي" (ص ٥٩٩).
(٢) انظر الروايتين في "المسودة" (ص ٣٦٧).
(٣) ما بين الحاصرتين ورد في حاشية ح مع علامة اللحق في المتن و"صح" في آخر الزيادة ولكنه ليس بخط الناسخ. ولم يرد في س، ت، ع. نعم في ف جاءت الزيادة في المتن، ووُضعت بعد "عند الضرورة".
(٤) وهو الميموني. انظر: "المسودة" (٥٤٣) و"مجموع الفتاوى" (١٠/ ٣٢١) و(٢١/ ٢٩١). وسينقله المؤلف مرة أخرى في هذا الكتاب.
(٥) في "مسائله" (٢/ ١٦٥ - ١٦٦). وسيذكره المؤلف مرة أخرى.
"أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار"١. قال أبو عبد الله ﵀: يفتي بما لم يسمع.
قال٢: وسألتُه عمَّن "أَفْتى بفتيا يَعْيا فيها، فإثمُها على من أفتاها"٣، على أي وجه يُفتي حتى يعيا٤ فيها؟ قال: يفتي بالبَخْت٥، لا يدري أيشٍ أصلُها٦.
(١) رواه الدارمي (١٥٩) من حديث عبيد الله بن أبي جعفر معضلًا، وعبيد الله هذا من أتباع التابعين.
(٢) في "مسائله" (٢/ ١٦٥) أيضًا.
(٣) هذا أثر ابن عباس. أخرجه الدارمي (١٦٢) والبيهقي في "المدخل" (١٨٦) وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (١٦٢٦، ١٦٢٧، ١٨٩٢، ١٨٩٨). ويشبهه حديث أبي هريرة في "سنن ابن ماجه" (٥٣): "من أُفتِيَ بفتيا غير ثبَت فإنما إثمه على من أفتاه". وقد ضُبِط لفظ "أفتى" في ح بالبناء للمجهول، كما في حديث أبي هريرة، ولكن السياق هنا يقتضي البناء للمعلوم. ولفظ "يَعْيا" كذا رسم بالألف في النسخ ما عدا ع، وضبط في س بضم أوله. وفي المصادر المذكورة: "يعمى فيها" أو "يعمى عنها". وفي "سنن الدارمي" ضبط بضم أوله وفتح الميم المشددة، وفي "المدخل" بضم أوله. وفي "مسائل ابن هانئ" "يعمل"، وكأنه تحريف "يعمى"، ولكن لما أعاد الكلمة في السؤال رسمت "يعيا" بإهمال أوله. والكلمتان بمعنًى. وفي "اللسان" (٢٠/ ١١١ - ١١٢): "والرجل يتكلَّف عملًا، فيعيا به وعنه إذا لم يهتدِ لوجه عمله".
(٤) ح: "يفتي" وكذا في ت بإهمال أحرفه. وفي ع: "يعنى"، وكلاهما تصحيف.
(٥) يعني: بما يتفق له دون علم وتبصُّر. وفي ع والنسخ المطبوعة: "بالبحث"، تصحيف.
(٦) قارن النصَّ بما في المطبوع. والظاهر أن الناشرين تصرفوا فيه لإصلاحه.