"أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار"١. قال أبو عبد الله ﵀: يفتي بما لم يسمع.
قال٢: وسألتُه عمَّن "أَفْتى بفتيا يَعْيا فيها، فإثمُها على من أفتاها"٣، على أي وجه يُفتي حتى يعيا٤ فيها؟ قال: يفتي بالبَخْت٥، لا يدري أيشٍ أصلُها٦.
(١) رواه الدارمي (١٥٩) من حديث عبيد الله بن أبي جعفر معضلًا، وعبيد الله هذا من أتباع التابعين.
(٢) في "مسائله" (٢/ ١٦٥) أيضًا.
(٣) هذا أثر ابن عباس. أخرجه الدارمي (١٦٢) والبيهقي في "المدخل" (١٨٦) وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (١٦٢٦، ١٦٢٧، ١٨٩٢، ١٨٩٨). ويشبهه حديث أبي هريرة في "سنن ابن ماجه" (٥٣): "من أُفتِيَ بفتيا غير ثبَت فإنما إثمه على من أفتاه". وقد ضُبِط لفظ "أفتى" في ح بالبناء للمجهول، كما في حديث أبي هريرة، ولكن السياق هنا يقتضي البناء للمعلوم. ولفظ "يَعْيا" كذا رسم بالألف في النسخ ما عدا ع، وضبط في س بضم أوله. وفي المصادر المذكورة: "يعمى فيها" أو "يعمى عنها". وفي "سنن الدارمي" ضبط بضم أوله وفتح الميم المشددة، وفي "المدخل" بضم أوله. وفي "مسائل ابن هانئ" "يعمل"، وكأنه تحريف "يعمى"، ولكن لما أعاد الكلمة في السؤال رسمت "يعيا" بإهمال أوله. والكلمتان بمعنًى. وفي "اللسان" (٢٠/ ١١١ - ١١٢): "والرجل يتكلَّف عملًا، فيعيا به وعنه إذا لم يهتدِ لوجه عمله".
(٤) ح: "يفتي" وكذا في ت بإهمال أحرفه. وفي ع: "يعنى"، وكلاهما تصحيف.
(٥) يعني: بما يتفق له دون علم وتبصُّر. وفي ع والنسخ المطبوعة: "بالبحث"، تصحيف.
(٦) قارن النصَّ بما في المطبوع. والظاهر أن الناشرين تصرفوا فيه لإصلاحه.
وقال أبو داود في "مسائله"١: ما أحصي ما سمعتُ أحمدَ سئل عن كثير مما فيه الاختلاف في العلم، فيقول: لا أدري.
قال٢: وسمعتُه يقول: ما رأيتُ مثلَ ابن عيينة في الفتوى أحسنَ فُتيا منه، كان أهون عليه أن يقول: لا أدري.
وقال عبد الله بن أحمد في "مسائله"٣: سمعتُ أبي يقول: قال عبد الرحمن بن مهدي: سأل رجلٌ من أهل الغرب مالكَ بن أنس عن مسألة فقال: لا أدري. [١٧/ب] فقال: يا أبا عبد الله تقول: لا أدري؟ قال: نعم، فأَبلِغْ مَن وراءك أنِّي لا أدري.
وقال عبد الله٤: كنت أسمع أبي كثيرًا يُسأل عن المسائل، فيقول: لا أدري؛ ويقف إذا كانت مسألة فيها اختلاف. وكثيرًا ما كان يقول: سَلْ غيري. فإن قيل له: من نسأل؟ قال: سَلُوا العلماء، ولا يكاد يسمِّي رجلًا بعينه.
قال٥: وسمعت أبي يقول: كان ابن عيينة لا يفتي في الطلاق، ويقول: مَن يُحسِن هذا؟
(١) (ص ٣٦٧).
(٢) في "مسائله" (ص ٣٦٨). وسينقله المؤلف بأتمَّ من هذا.
(٣) لم أجده في مسائله المطبوعة. وقد رواه عنه الخطيب في "الفقيه والمتفقة" (٢/ ٣٧٠)، والآجري في "أخلاق العلماء" (ص ١١٦) من رواية صالح. ويُنظر: "تقدمة المعرفة" لابن أبي حاتم (ص ١٨)، و"الحلية" لأبي نعيم (٦/ ٣٢٣).
(٤) في "مسائله" (ص ٤٣٨).
(٥) لم أجده في "مسائله" المطبوعة. وقد رواه أخوه صالح في "مسائله" (١/ ٢٣٩).