إعلام الموقعين

بمخالفٍ لقواعد الشرع، بل حكمة الشرع١ وأصوله وقواعده ومصالح المكلَّفين تقتضي ذلك.

فهاتان صورتان: صلح عن الدين الحالّ ببعضه حالًّا مع الإقرار ومع الإنكار.

الصورة الثالثة: أن يصالح عنه ببعضه مؤجلًا مع الإقرار والإنكار، فهاتان صورتان أيضًا، فإن كان مع الإنكار ثبت التأجيل، ولم تكن له المطالبة به قبل الأجل؛ لأنه لم يثبت له قبله دَينٌ فيقال: لا يقبل التأجيل. وإن كان مع الإقرار ففيه ثلاثه أقوال للعلماء، وهي في مذهب الإمام أحمد:

أحدها: لا يصح الإسقاط ولا التأجيل، بناء على أن الصلح لا يصح مع الإقرار وعلى أن الحالَّ لا يتأجل.

والثاني: أنه يصح الإسقاط دون التأجيل، بناء على صحة الصلح مع الإقرار.

والثالث: أنه يصح الإسقاط والتأجيل، وهو الصواب، بناء على تأجيل القرض والعارية، وهو مذهب أهل المدينة، واختيار شيخنا٢.

وإن كان الدين مؤجلًا فتارةً يصالحه على بعضه مؤجلًا مع الإقرار والإنكار، فحكمه ما تقدم. وتارةً يصالحه ببعضه حالًّا مع الإقرار والإنكار، فهذا للناس فيه ثلاثة أقوال أيضًا:

أحدها: أنه لا يصح مطلقًا، وهو المشهور عن مالك؛ لأنه يتضمن بيع

  1. (١) «بل حكمة الشرع» ليست في ز.
  2. (٢) كما في «الفروع» (٦/ ٤٢٣) و«الاختيارات» للبعلي (ص ١٩٨).
335

المؤجل ببعضه حالًّا، وهو عين الربا، وفي الإنكار المدعي يقول: هذه المائة الحالَّة عوضٌ عن مائتين مؤجلة، وذلك لا يجوز، وهذا قول ابن عمر١.

والقول الثاني: يجوز، وهو قول ابن عباس٢، وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد حكاها ابن أبي موسى٣ وغيره، واختارها شيخنا؛ لأن هذا عكس الربا؛ فإن الربا يتضمن الزيادة في أحد العوضين في مقابلة الأجل، وهنا يضمن براءة ذمته من بعض العوض في مقابلة سقوط الأجل، فسقط بعض العوض في مقابلة سقوط بعض الأجل، فانتفع به كل واحد منهما، ولم يكن هنا ربًا لا حقيقة ولا لغةً ولا عرفًا، فإن الربا الزيادة وهي منتفية هاهنا، والذين حرَّموا ذلك إنما قاسوه على الربا، ولا يخفى الفرق الواضح بين قوله: إما أن تُربِي وإما أن تَقضِي٤ وبين قوله: عجِّلْ لي وأهبُ لك مائة، فأين أحدهما من الآخر؟ فلا نصَّ في تحريم ذلك ولا إجماع ولا قياس صحيح.

والقول الثالث: يجوز ذلك في دَين الكتابة، ولا يجوز في غيره، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة. قالوا: لأن ذلك يتضمن تعجيلَ العتق المحبوب

  1. (١) رواه مالك (٢/ ٦٧٢) وعبد الرزاق (١٤٣٥٤، ١٤٣٥٩) والبيهقي (٦/ ٢٨) من طرق عن ابن عمر.
  2. (٢) رواه عبد الرزاق (١٤٣٦٠، ١٤٣٦١، ١٤٣٦٢) وابن أبي شيبة (٢٢٦٦٥) والطحاوي في «مشكل الآثار» (١١/ ٦١)، والبيهقي (٦/ ٢٨).
  3. (٣) في «الإرشاد» (ص ١٩١).
  4. (٤) كان الربا في الجاهلية بهذه الطريقة، كما روى مالك في «الموطأ» (٢/ ٦٧٢) عن زيد بن أسلم.
336

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي