إعلام الموقعين

فإن طردوا الحكم في هذا كله، وطلَّقوا على الزوج، وكفَّروا المعترف بنعمة الله عليه وأنه كان كافرًا فهداه الله وأمروه أن يجدِّد إسلامه، وجعلوا هذا قِنًّا= قيل لهم: فاطردوا ذلك فيمن قال: كانت هذه الدار أو هذا البستان أو هذه الأرض أو هذه الدابة لفلان ثم اشتريتُها منه، فأخرِجوها من ملكه بهذا الكلام، وقولوا: قد أقرَّ بها لفلان ثم ادَّعى اشتراءها، فيُقبل إقراره ولا تُقبل دعواه، فمن جرتْ هذه الكلمة على لسانه وقال الواقعَ فأخرِجوا ملكه من يده. وكذلك إذا قالت المرأة: كنت مزوَّجةً لفلانٍ ثم طلَّقني، اجعلوها بمجرد هذا الكلام زوجته، والكلام بآخره، فلا يجوز أن يؤخذ منه بعضه ويُلغى بعضه، ويقال: قد لزمك حكم ذلك البعض، وليس علينا من بقية كلامك؛ فإن هذا يرفع حكم الاستثناء [١٢١/أ] والتقييدات جميعها، وهذا لا يخفى فساده.

ثم إن هذا على أصل من لا يقبل الجواب إلا على وَفْق الدعوى يحول بين الرجل وبين التخلُّص١ من ظلم المدعي، ويُلجِئه إلى أن يقرَّ له بما يتوصل به إلى الإضرار به وظلمه، أو إلى أن يكذِب. بيانُه: أنه إذا استدان منه ووفَّاه، فإن قال: «ليس له عليَّ شيء» لم تقبلوا منه؛ لأنه لم يجب على نفي الدعوى، وإن قال: «كنت استدنتُ منه ووفَّيتُه» لم تسمعوا منه آخر كلامه وسمعتم منه أوله، وإن قال: «لم أستدِنْ منه» كان٢ كاذبًا. فقد ألجأتموه إلى أن يظلم أو يكذب ولا بدَّ.

فالحيلة لمن بُلِيَ بهذا القول أن يستعمل التورية، ويحلف ما استدان

  1. (١) ك، ب: «التخليص».
  2. (٢) في المطبوع: «وكان»، خطأ؛ فهو جواب الشرط.
346

منه، وينوي أن تكون «ما» موصولة، فإذا قال: «والله إني ما استدنتُ منه» أي إني الذي استدنتُ منه، وينفعه تأويله بالاتفاق إذا كان مظلومًا، كما لا ينفعه إذا كان ظالمًا بالاتفاق.

المثال الثالث والثلاثون: إذا كان عليه دين فأعسرَ به فادَّعى عليه به١، فإن أنكره٢ كان كاذبًا، وإن أقرَّ له به ألزمه إياه، وإن جحده أقام به البينة، فإن ادعى الإعسار بعد ذلك فإن المدَّعي قد ظهر للحاكم كذبُه في جحده الحقَّ، فهكذا هو كاذب في دعوى الإعسار؛ فالحيلة في تخليصه أن يقول: لا يلزمني توفية ما يدَّعيه عليَّ ولا أداؤه، فإن طالبه الحاكم بجواب يطابق السؤال فله أن يورِّي كما تقدم، ويحلف على ذلك، فإن خشي من إقامة البينة فهنا تَعِزُّ عليه الحيلة، ولم يبقَ له إلا تحليفُ المدَّعي أنه لا يعلم عجزه عن الوفاء، أو إقامة البينة بأنه عاجز عن الوفاء، فإن حلف المدَّعي ولم تقم له بينة بالعجز لم يبقَ له حيلة غير الصبر.

المثال الرابع والثلاثون: إذا تداعيا عينًا هي في يد أحدهما فهي لصاحب اليد، فإن أقام الآخر بينة حُكِم له ببينته؛ فإن أقام كل واحد منهما بينة؛ فقال الشافعي: بينةُ صاحب اليد أولى؛ لأن البينتين قد تعارضتا، وسلمت اليدُ عن معارض. وقال الإمام أحمد في ظاهر مذهبه: بينة الخارج أولى؛ لأن معها زيادةَ علمٍ خفيتْ على بينة صاحب اليد فإنها تستند إلى ظاهر اليد٣، وبينة الخارج تستند إلى سبب خفي على بينة الداخل فتكون أولى. فالحيلة في

  1. (١) «به» ليست في ك، ب.
  2. (٢) ك: «فأنكره».
  3. (٣) «اليد» ليست في ز. وفي ك، ب: «صاحب اليد».
347

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي