سقطتْ بمضيِّ الزمان فلم تُصادِف١ الحوالة محلًّا؛ لأنها إنما تسقط بمضيِّ الزمان إذا لم يكن المنفَق عليه قد استدان على المنفِق، بل تبرَّع له٢ غيره أو تكلَّف أو صبر. فأما إذا استدان عليه بقدر نفقته الواجبة عليه فهنا لا وجهَ لسقوطها، وإن كان الأصحاب وغيرهم [١٢٢/أ] قد أطلقوا السقوط فتعليلهم يدلُّ على ما قلناه، فتأملْه.
المثال السابع والثلاثون٣: إذا استنبط في ملكه أو أرضٍ استأجرها عينَ ماءٍ ملَكَه، ولم يملك بيعَه لمن يسوقه إلى أرضه أو يسقي به بهائمَه، بل يكون أولى به من كل أحد، وما فضلَ منه لزمه بذلُه لبهائمِ غيره وزرْعِه. والحيلة على جواز المعاوضة أن يبيعه نصفَ العين أو ثلثها أو يُؤجِره ذلك؛ فيكون الماء بينه وبينه على حسب ذلك، ويدخل الماء تبعًا لملك العين أو منفعتها. ولا تدخل هذه الحيلة تحت النهي عن بيع الماء، فإنه لم يبعه، وإنما باع العين، ودخل الماء تبعًا، والشيء قد يستتبع ما لا يجوز أن يُفردَ٤ وحده.
المثال الثامن والثلاثون: إذا باع عبده من رجل وله غرض أن لا يكون إلا عنده أو عند بائعه، فالحيلة في ذلك أن يشهد عليه أنه إن باعه فهو أحقُّ به بالثمن، فهذا يجوز على نص أحمد، وهو قول عبد الله بن مسعود٥، ولا
(١) ك: «تصادق»، تحريف.
(٢) «له» ليست في ك.
(٣) ك: «السادس والثلاثون». وهو رقم مكرر فيها، وهكذا يستمر فيما بعد، فلا نشير إليه، ونثبت ما في ز.
(٤) ك: «يفرده».
(٥) سيأتي تخريجه.
محذورَ في ذلك. وقول المانعين: «إنه يخالف مقتضى العقد» فنعم يخالف مقتضى العقد المطلق، وجميع الشروط اللازمة تخالف مقتضى العقد المطلق، ولا تخالف مقتضى العقد المقيَّد، بل هي مقتضاه.
فإن لم تصعد١ معه هذه الحيلة فله حيلة أخرى، وهي أن يقول له في مدة الخيار: إما أن تقول: «متى بعتُه فهو حرٌّ» وإلا فسختُ البيع، فإذا قال ذلك فمتى باعه عتق عليه بمجرد الإيجاب قبل قبول المشتري على ظاهر المذهب؛ فإن الذي علّق عليه العتق هو الذي يملكه البائع وهو الإيجاب، وذلك بيعٌ حقيقة، ولهذا يقال: «بعتُه العبد فاشتراه» فكما أن الشِّرى هو قبول المشتري، فكذلك البيع هو إيجاب البائع، ولهذا يقال: البائع والمشتري، قال الشاعر٢:
وإذا تُباع كريمةٌ أو تُشتَرىفسِواك بائعُها وأنتَ المشترِي
هذا منصوص أحمد.
فإن لم تصعد معه هذه الحيلة فليقلْ له في مدة الخيار: «إما أن تقول متى بعتُك فأنت حرٌّ قبله بساعة، وإما أن أفسخ»، فمتى قال ذلك لم يمكنه بيعه البتةَ.
المثال التاسع والثلاثون: إذا كان للموكِّل عند وكيله شهادة تتعلق بما هو وكيلٌ فيه لم تُقبل، فإن أراد قبولها فليعزِلْه أو ليعزِلْ نفسه قبل الخصومة ثم يقيم الشهادة، فإذا تمَّت عاد فوكَّله. وليس في هذه الحيلة محذور؛ فلا تكون محرَّمة.
(١) في المطبوع: «تسعد» خلاف النسخ.
(٢) هو ابن المولى، كما في «الحماسة» لأبي تمام (٢/ ٣٧٧) و«معجم الشعراء» للمرزباني (ص ٣٤٢) و«وفيات الأعيان» (٦/ ٣٢٥).