بعض١ الشافعية، وممن اختاره أبو عبد الله الزبيري. وعند الفقهاء الثلاثة لا يصح.
المانعون من صحته قالوا: يمتنع كون الإنسان معطيًا من نفسه لنفسه؛ ولهذا لا يصح أن يبيع نفسَه ولا يهب نفسَه ولا يُؤجِر مالَه من نفسه، فكذا لا يصح وقفه على نفسه.
قال المجوِّزون: الوقف شبيهُ العتق والتحرير من حيث إنه يمتنع نقل الملك في رقبته، ولهذا لا يفتقر إلى قبول إذا كان على غير معيَّن اتفاقًا، ولا إذا كان على معيَّن على أحد القولين، وأشبهُ شيء به أم الولد. وإذا كان مثل التحرير لم يكن الواقف مملِّكًا لنفسه، بل يكون مُخرِجًا للملك عن نفسه ومانعًا لها٢ من التصرف في رقبته مع انتفاعه بالعين كأم الولد.
وهذا إذا قلنا بانتقال رقبة الوقف إلى الله تعالى ظاهر؛ فإن الواقف أخرج رقبة الوقف لله، وجعل نفسه أحد المستحقين للمنفعة مدةَ حياته، فإن لم يكن أولى من البطون المرتبة فلا يكون دون بعضهم، فهذا محض القياس.
وإن [١٢٣/ب] قلنا: الوقف ينتقل إلى الموقوف عليهم بطنًا بعد بطنٍ يتلقَّونه من الواقف، فالطبقة الأولى أحد الموقوف عليهم، ومعلوم أن أحد الشريكين إذا اشترى لنفسه أو باع من مال الشركة جاز على المختار لاختلاف٣ حكم الملكين، فلأن يجوز أن ينقل ملكه المختصّ إلى طبقاتٍ موقوفٍ عليها هو أحدها أولى؛ لأنه في كلا الموضعين نقل مِلْكه المختصّ إلى
(١) «بعض» ليست في ك.
(٢) «لها» ليست في ك.
(٣) ك: «لا خلاف»، خطأ.
مِلكٍ مشترك له فيه نصيب، بل في الشركة الملكُ الثاني من جنس الأول يملك به التصرف في الرقبة، وفي الوقف ليس من جنسه فيكون أولى بالجواز.
يؤيِّده أنه لو وقف على جهة عامة جاز أن يكون كواحد من تلك الجهة، كما وقف عثمان بئر رُومةَ وجعل دَلْوه فيها كدِلاء المسلمين١، وكما يصلِّي المرء في المسجد الذي وقَفَه، ويشرب من السقاية التي وقَفَها، ويُدفن في المقبرة التي سَبَّلها، أو يمرُّ في الطريق التي فتحها، وينتفع بالكتاب الذي وقَفَه، ويجلس على البساط والحصير اللذين وقفهما، وأمثال ذلك، فإذا جاز للواقف أن يكون موقوفًا عليه في الجهة العامة جاز مثله في الجهة الخاصة، لاتفاقهما في المعنى، بل الجواز هنا أولى من حيث إنه موقوف عليه بالتعيين، وهناك دخل في الوقف بشمول الاسم له٢.
وتقليد هذا القول خير٣ من الحيلة الباردة التي يملِّك الرجل فيها مالَه لمن لا تطيب نفسُه أن يُعطيه درهمًا ثم يقفه ذلك المملَّك على المملِّك؛ فإن هذه الحيلة تضمَّنت أمرين:
أحدهما: لا حقيقة له، وهو انتقال الملك إلى المملّك.
(١) رواه الترمذي (٣٧٠٣) والنسائي (٣٦٠٨) من طريق يحيى بن أبي الحجاج المنقري عن أبي مسعود الجريري عن ثمامة بن حزن، وفيه يحيى لين الحديث، وتابعه هلال بن حِقّ في «زوائد مسند أحمد» (٥٥٥) وهو مقبول ذكره ابن حبان في «الثقات»، وعلَّقه البخاري جزمًا (٥/ ٢٩ - مع الفتح)، وحسَّنه الألباني في «الإرواء» (١٥٩٤).