إعلام الموقعين

معاوية بن أبي عيّاش أنه كان جالسًا عند عبد الله بن الزبير وعاصم بن عمر، فجاءهما محمد بن إياس بن البُكَير فقال: إنَّ رجلًا من أهل البادية طلَّق امرأته [١٨/أ] ثلاثًا، فماذا تَرَيانِ؟ فقال عبد الله بن الزبير: إن هذا الأمر ما لنا فيه قول، فاذهب إلى عبد الله بن عباس وأبي هريرة، فإنِّي تركتُهما عند عائشة زوج النبي ﷺ، ثم ائتِنا، فأخبِرنا. فذهبتُ، فسألتُهما، فقال ابن عباس لأبي هريرة: أَفْتِه يا أبا هريرة، فقد جاءتك مُعْضِلة. فقال أبو هريرة: الواحدةُ تُبِينها، والثلاثُ تُحرِّمها حتى تنكح زوجًا غيره.

وقال مالك عن يحيى بن سعيد قال: قال ابن عباس: إنَّ كلَّ من أفتى الناسَ في كلِّ ما يسألونه عنه لَمجنون١.

قال مالك: وبلغني عن ابن مسعود مثلُ ذلك. رواه ابن وضَّاح عن يوسف بن عدي، عن عَبِيدة بن حُمَيد٢، عن الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله٣. ورواه حبيب بن أبي ثابت، عن أبي وائل، عن عبد الله٤.

  1. (١) رواه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (٢٢٠٤)، والبيهقي في "المدخل" (٧٩٩)، وهو منقطع بين يحيى بن سعيد الأنصاري وابنِ عباس.
  2. (٢) في النسخ المطبوعة: "عبد بن حميد"، وهو خطأ. وضبط "عبيدة" في س بضم العين، وهو أيضًا خطأ. انظر: توضيح المشتبه" (٦/ ١٣٠).
  3. (٣) رواه محمد بن وضاح، ومن طريقه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (٢٢٠٦).
    ورواه أبو خيثمة في العلم (١٠) ــ وعنه أبو القاسم البغوي في الجعديات (٣٢٠) ــ، والدارمي في "المسند" (١٧٦)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٨٩٢٣، ٨٩٢٤)، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (١٥٩٠)، والبيهقي في "المدخل" (٧٩٨).
  4. (٤) رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (٨٩٢٤)، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (٢٢٠٨، ٢٢١٣)، وأبو إسماعيل الهروي في ذم الكلام (٥١٥).
71

وقال سَحنون بن سعيد: أجسَرُ الناس على الفتيا أقلُّهم علمًا، يكون عند الرجل الباب الواحد من العلم، يظنُّ أنَّ الحقَّ كلَّه فيه١.

قلت: الجرأة على الفتيا تكون من قلّة العلم ومن غزارته وسعته. فإذا قلَّ علمُه أفتى عن كلِّ ما يُسأل عنه بغير علم، وإذا اتسع علمه اتسعت فتياه. ولهذا كان ابنُ عباس من أوسع الصحابة فُتيا، وقد تقدَّم٢ أنَّ فتاواه جُمِعت عشرين سِفْرًا٣. وكان سعيد بن المسيِّب أيضًا واسع الفتيا، وكانوا يسمُّونه "الجريء" كما ذكر ابن وهب عن محمد بن سليمان المرادي عن أبي إسحاق قال: كنتُ أرى الرجلَ في ذلك الزمان وإنّه لَيدخلُ يَسأل عن الشيء، فيدفعه الناس عن مجلس إلى مجلس، حتَّى يُدفَع إلى مجلس سعيد بن المسيِّب، كراهيةً للفتيا٤، قال: وكانوا يدعون سعيد بن المسيِّب "الجريء"٥.

وقال سَحنون: إنِّي لأحفظ [١٨/ب] مسائل، منها ما فيه ثمانية أقوال من ثمانية أئمة من العلماء، فكيف ينبغي أن أَعجَل بالجواب حتَّى أتخيَّر٦؟

  1. (١) رواه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (٢٢١١).
  2. (٢) في أول الكتاب (١/ ٢٠).
  3. (٣) في النسخ المطبوعة: "في عشرين سفرًا" ولعل زيادة "في" من تصرُّف الناشرين.
  4. (٤) ت: "كراهية الفتيا".
  5. (٥) رواه ابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (١٩٧١ - السفر الثالث)، ومن طريقه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (٢٢٠٥)،.
  6. (٦) في حاشية ح: "لعله: أتبحر". قلت: بل الصواب ما جاء في النسخة. وفي النسخ المطبوعة: "قبل الخبر"، وهو تحريف.
72

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي